أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد موسى قريعي - الشعب السوداني الذي لا يحضر اجتماعات الساسة!















المزيد.....

الشعب السوداني الذي لا يحضر اجتماعات الساسة!


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب وصحفي وباحث في الذاكرة العربية وأخلاقيات الصحافة

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 16:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في السودان، تستطيع أن تؤسس حزبًا سياسيًا لا يعرف الناس مقرّه، وتعلن تحالفًا لا يعرف أعضاؤه بعضهم بعضًا، وتصدر بيانًا باسم الجماهير التي لم تسمع بك أصلًا، ثم تحمل حقيبتك وتسافر إلى أديس أبابا أو القاهرة أو أي عاصمة أخرى، لتجلس أمام الوسطاء الدوليين وتتحدث بكل ثقة عن تطلعات الشعب السوداني، وكأن هذا الشعب قد منحك تفويضًا مفتوحًا للتحدث باسمه، والتفاوض نيابة عنه، وتقرير مصيره أيضًا!

والحقيقة أن بعض ساستنا لا يحتاجون إلى انتخابات ولا إلى تفويض شعبي، فمجرد دعوتهم إلى اجتماع سياسي في إحدى العواصم كافية، في اعتقادهم، لتحويلهم إلى ممثلين شرعيين للشعب السوداني، الذي لا يعرف في الغالب شيئًا عن هذه الاجتماعات، ولا عن الذين يتحدثون باسمه، وربما لا يعرف حتى أسماء أحزابهم.

وهذه ليست نكتة سياسية، وإنما واحدة من غرائب الممارسة السياسية السودانية التي ظلت تتكرر منذ سنوات طويلة، حتى أصبح الحديث باسم الشعب مهنة قائمة بذاتها، يمارسها بعض السياسيين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء سؤال هذا الشعب عما يريد.

قبل أيام، وتحديدًا في 12 أكتوبر 2026، شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مشاورات بين قوى مدنية سودانية وآليات إقليمية ودولية، في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية. ولا اعتراض من حيث المبدأ على هذه الاجتماعات، فالسودان الذي مزقته الحرب يحتاج إلى كل جهد صادق يوقف نزيف الدم، ويعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم، ويضع حدًا لهذه الكارثة التي تجاوزت كل تصور.

لكن المشكلة ليست في الاجتماعات نفسها، وإنما في بعض الذين يحضرونها، وفي الطريقة التي يقدمون بها أنفسهم إلى الوسطاء والمجتمع الدولي، باعتبارهم ممثلين للشعب السوداني، دون أن يوضحوا لنا من الذي منحهم هذا التفويض، ومتى جرى ذلك، وعلى أي أساس؟

فليس كل من يحمل بطاقة دعوة إلى مؤتمر سياسي أصبح ممثلًا للشعب، وليس كل من صافح مبعوثًا دوليًا صار زعيمًا جماهيريًا، وليس كل تحالف يضم مجموعة من الأحزاب والشخصيات السياسية يستطيع أن يدعي تمثيل ملايين السودانيين، لمجرد أنه أصدر بيانًا مشتركًا أو عقد مؤتمرًا صحفيًا.

أما حكاية أن يجتمع عدد من السياسيين، ويتفقوا على أنهم يمثلون الشعب (زدنية) أو (حمرة عين)، فهذه مرفوضة، ولا علاقة لها بالديمقراطية التي يرفعون شعاراتها صباح مساء.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن بعض القوى السياسية التي تطالب العسكريين بالتخلي عن احتكار السلطة، لا ترى غضاضة في احتكار التمثيل السياسي، وكأن الوصاية على الشعب تصبح مقبولة إذا مارسها المدنيون، ومرفوضة فقط عندما يمارسها أصحاب البنادق!

وهنا تكمن واحدة من أزمات السياسة السودانية، فالديمقراطية عند بعض ساستنا تبدو أشبه بسلعة معدة للتصدير، يجيدون الحديث عنها في المؤتمرات والندوات، لكنهم يتعثرون في تطبيق أبسط قواعدها داخل أحزابهم وتنظيماتهم.

فكيف يطالب حزب سياسي بتداول السلطة في الدولة، بينما ظل رئيسه جالسًا على كرسي القيادة سنوات طويلة؟ وكيف يتحدث تحالف عن المشاركة والشفافية، بينما تتخذ قراراته مجموعة محدودة من القيادات، دون أن يعرف بقية أعضائه كيف صيغت تلك القرارات، أو من الذي وافق عليها؟

والأعجب من ذلك أن هذه القوى لا تكف عن الحديث عن وحدة الصف الوطني، بينما تنقسم أحزابها وتحالفاتها عند أول خلاف على القيادة أو التمثيل، ثم تعود لتجتمع من جديد، وتصدر بيانًا جديدًا عن ضرورة توحيد الصف، قبل أن تنقسم مرة أخرى!

لقد أصبحت لدينا في السودان قدرة عجيبة على إنتاج التحالفات السياسية، حتى إن متابعة أسمائها وتفرعاتها تحتاج إلى موظف متفرغ، مهمته تسجيل الانشقاقات والاندماجات والتغييرات التي تطرأ عليها بين اجتماع وآخر.

ومع ذلك، لا يجوز أن نعمم هذا النقد على جميع القوى المدنية، فهناك سياسيون ونشطاء ومنظمات يعملون بجدية لوقف الحرب، وبعضهم دفع ثمن مواقفه اعتقالًا وتشريدًا وتهديدًا، وهناك من يبذل جهودًا حقيقية لمساعدة المتضررين من الحرب بعيدًا عن الأضواء. ومن الظلم مساواة هؤلاء بمن اتخذوا من العمل السياسي وسيلة للظهور أو البحث عن موقع في ترتيبات السلطة المقبلة.

لكن حسن النوايا وحده لا يمنح الشرعية السياسية، كما أن معارضة الحرب، على أهميتها، لا تعطي أي حزب أو تحالف حق التحدث باسم السودانيين جميعًا.

وليس مطلوبًا بالطبع أن يحضر ملايين السودانيين اجتماعات التفاوض، فهذا أمر غير ممكن، لكن المطلوب وجود آليات واضحة تتيح مشاركة قطاعات المجتمع المختلفة، والاستماع إلى مطالبها، وضمان ألا تتحول العملية السياسية إلى اتفاق بين مجموعة من القيادات على اقتسام المقاعد والمناصب، ثم مطالبة الشعب بالمباركة والتصفيق.

فالسودان ليس الخرطوم وحدها، ولا هو مجموعة الأحزاب التي اعتادت الظهور في نشرات الأخبار، ولا يمكن اختزال إرادة شعبه في بيانات تصدر من فنادق العواصم الأجنبية.

هناك ملايين السودانيين الذين شردتهم الحرب، وفقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وهناك أسر لا تعرف حتى اليوم مصير أبنائها، ومزارعون تركوا أراضيهم، وعمال وموظفون فقدوا أعمالهم، وأطفال حُرموا من التعليم، ونساء تحملن أعباء النزوح والجوع والخوف.

هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقية في وقف الحرب وبناء السلام، ولا ينبغي أن يظل حضورهم في الخطاب السياسي مقتصرًا على الأرقام والإحصاءات والعبارات التي يستهل بها الساسة بياناتهم.

ثم إن الحديث عن تمثيل الشعب السوداني يثير سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل تستطيع القوى السياسية التي تطالب بإقامة دولة ديمقراطية أن تقدم نموذجًا ديمقراطيًا داخل مؤسساتها؟

هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، ولا محاولة لصرف الأنظار عن الحرب ومسؤولية أطرافها، فالمسؤولية عن الانتهاكات والقتل والتدمير تقع على من ارتكبها أو أمر بها أو شارك فيها، ولا يمكن تبريرها بخلافات القوى المدنية أو إخفاقاتها.

لكن ذلك لا يعني إعفاء السياسيين من المساءلة، أو منحهم صكوك براءة لمجرد أنهم لا يحملون السلاح.

فالمطلوب من القوى المدنية ليس فقط أن تعارض الحرب، وإنما أن تقدم للسودانيين مشروعًا سياسيًا مختلفًا عن الممارسات التي أسهمت في إضعاف الحياة السياسية، وفتحت الطريق أمام الانقلابات والصراعات على السلطة.

ومن الصعب إقناع الناس بأن المستقبل سيكون مختلفًا، إذا كانت الأدوات السياسية التي نريد بناء ذلك المستقبل بها لا تزال أسيرة العقلية نفسها، التي ترى في الشعب مجرد جمهور يستدعى عند الحاجة، ثم يعاد إلى مقاعد المتفرجين بعد انتهاء المناسبة.

إن السودان يحتاج إلى عملية سياسية حقيقية تنهي الحرب وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي، ولا يمكن تحقيق ذلك بإقصاء القوى المدنية أو التقليل من أهمية دورها. لكن هذه العملية لن تكتسب مشروعيتها بمجرد موافقة الوسطاء الدوليين عليها، أو مشاركة أكبر عدد من الأحزاب في اجتماعاتها، وإنما بمدى تعبيرها عن مصالح السودانيين، وقدرتها على إشراكهم في تقرير مستقبل بلادهم.

ومن حق أي حزب أن يعرض رؤيته، ومن حق أي تحالف أن يتفاوض، ومن حق أي سياسي أن يسعى إلى إقناع السودانيين بمشروعه، لكن ليس من حق أحد أن يتعامل مع إرادة الشعب باعتبارها (ورثة) آلت إليه، أو ملكية خاصة يتصرف فيها كيفما يشاء.

والأفضل لبعض ساستنا أن يتواضعوا قليلًا، وأن يكفوا عن استخدام عبارة «الشعب السوداني» كلما أرادوا التعبير عن موقف حزب أو رأي تحالف.

قولوا إن هذا موقفكم السياسي، وإن هذه رؤيتكم، وهذه (عواستكم) وإنكم تسعون إلى كسب تأييد السودانيين لها. وليس في ذلك ما يعيبكم، بل لعل فيه قدرًا من الصدق السياسي الذي افتقدناه طويلًا.

أما أن تختلفوا على كل شيء، ثم تتفقوا جميعًا على أن الشعب يقف خلفكم، فهذه واحدة من المفارقات التي لم يعد السودانيون يحتملونها.

والشعب الذي تتحدثون باسمه في قاعات الاجتماعات، لا يزال بعضه يبحث عن مأوى، وبعضه ينتظر وجبة طعام، وبعضه لا يعرف إن كان سيبقى حيًا حتى الصباح.

فإذا عدتم من اجتماعاتكم، ووجدتم وقتًا بين بيان وآخر، حاولوا أن تسألوا هؤلاء الناس عما يريدون.

فربما تكتشفون أن الشعب السوداني الذي تتحدثون باسمه منذ سنوات طويلة، لديه رأي آخر فيكم!



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب الحوثيين ضد السعودية.. من معركة اليمن إلى استنزاف الدولة
- حين يصبح الإنسان نفسه أرشيفًا
- السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مق ...
- حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية
- السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من ...
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد موسى قريعي - الشعب السوداني الذي لا يحضر اجتماعات الساسة!