أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب وصحفي وباحث في الذاكرة العربية وأخلاقيات الصحافة
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 11:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في السودان، لم تعد الحرب وحدها تحتاج إلى ميزانية، فالسلام أيضًا أصبح له حساباته ومؤتمراته ووفوده وورش عمله، وربما يحتاج في المستقبل إلى وزارة مستقلة لشؤون الاجتماعات التي تناقش كيفية عقد اجتماعات أخرى لإنهاء الحرب!
فمنذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، لم تتوقف المبادرات السياسية، ولا بيانات الإدانة، ولا الدعوات إلى الحوار، ولا المؤتمرات التي تنتهي عادة بالتأكيد على أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الأطراف المعنية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أصبح السلام في السودان قضية وطنية يعمل الجميع من أجل تحقيقها، أم تحول عند بعضهم إلى مهنة سياسية، لها أهلها ومصالحها وحساباتها الخاصة؟
وقبل أن يغضب منا محترفو البيانات، لا بد من توضيح أمر مهم. ليس كل من يعمل في مجال السلام مستفيدًا من الحرب، وليس كل من يشارك في مؤتمر سياسي باحثًا عن مكسب شخصي، فهناك سودانيون يبذلون جهودًا حقيقية لوقف القتال، ومنظمات تعمل في ظروف بالغة الصعوبة لإنقاذ المدنيين ومساعدة النازحين، وسياسيون ونشطاء تحملوا أعباء ومخاطر بسبب مواقفهم المناهضة للحرب.
لكن وجود هؤلاء لا يمنعنا من مساءلة بعض الممارسات التي جعلت من السلام عنوانًا واسعًا، يستطيع أي شخص أن يضع تحته ما يشاء من المشروعات والطموحات والحسابات السياسية.
ففي السودان، يمكن أن يختلف السياسيون حول أسباب الحرب، وأطرافها، والمسؤولية عن إشعالها، وشروط وقفها، ومستقبل الحكم بعد انتهائها، لكنهم يتفقون بسهولة عجيبة على أهمية السلام!
وهذا الاتفاق، على جماله، لا يكلف أحدًا شيئًا.
فمن السهل أن تقول إنك مع السلام، وأن تصدر بيانًا تؤكد فيه رفض الحرب، وأن تشارك في ندوة تناقش ضرورة إنهائها، ثم تعود في اليوم التالي لتختلف مع بقية المشاركين حول من يمثل القوى المدنية، ومن يتحدث باسمها، ومن يستحق الجلوس في الصف الأول عند انطلاق العملية السياسية.
ولعل بعض خلافات القوى السياسية السودانية تجعل المرء يتساءل أحيانًا: هل المشكلة في الوصول إلى السلام، أم في تحديد الذين سيجلسون حول مائدته عندما يصل؟
والحكاية لا تقف عند حدود الأحزاب والتحالفات.
فهناك جانب اقتصادي بالغ الخطورة في هذه الحرب، لا يمكن فهم استمرارها دون النظر إليه. ففي مارس 2025، نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» دراسة عن الذهب والحرب في السودان، تناولت العلاقة بين تجارة الذهب وشبكات التمويل والنفوذ العسكري والاقتصادي، وكيف أسهم التنافس على الموارد في تغذية الصراع واستمراره.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف بين جنرالين، أو تنافس بين حزبين، أو صراع على مقاعد السلطة.
فالحرب التي تدمر اقتصاد البلاد يمكن أن تخلق، في الوقت نفسه، مصالح اقتصادية لبعض الشبكات المرتبطة بها، من تجارة الموارد إلى التهريب والتمويل والإمداد.
وهذه واحدة من المفارقات القاسية التي ينبغي التوقف عندها، فبينما يخسر ملايين السودانيين مصادر رزقهم، قد يجد آخرون في استمرار الفوضى فرصة لتوسيع نفوذهم أو تحقيق أرباح يصعب الحصول عليها في ظل دولة مستقرة ومؤسسات رقابية فاعلة.
وبعبارة أخرى، قد تكون الحرب كارثة على الوطن، لكنها ليست بالضرورة كارثة على حسابات جميع المستفيدين منها!
والفرق هنا كبير بين المواطن الذي يضطر إلى ممارسة نشاط اقتصادي ليبقى حيًا في ظروف الحرب، وبين الشبكات التي تستغل غياب القانون والرقابة لتراكم الثروة والنفوذ وتساعد بذلك على استمرار الصراع.
فلا يجوز وضع الجميع في سلة واحدة، كما لا يجوز أن نغض الطرف عن المصالح الاقتصادية التي قد تجعل استمرار الحرب أكثر فائدة لبعض الأطراف من إنهائها.
أما في سوق السياسة، فالأمر مختلف قليلًا.
فبعض السياسيين يتعاملون مع كل مبادرة جديدة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب مواقعهم، أو تحسين شروط مشاركتهم في العملية السياسية المقبلة، أو الحصول على اعتراف من الوسطاء بأنهم طرف لا يمكن تجاوزه.
وهنا يتحول الحديث عن السلام إلى مناسبة لإثبات الحضور السياسي، حتى لو لم يكن لهذا الحضور وزن حقيقي وسط الجماهير.
وقد تجد تحالفًا سياسيًا لا يكاد الناس يعرفون أسماء مكوناته، لكنه حاضر في المؤتمرات والبيانات والتصريحات، ويطالب بأن يكون له نصيب معلوم في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وبعض جماعتنا، عندما يسمعون عبارة «عملية سياسية شاملة»، لا ينشغلون أولًا بكيفية شمول المتضررين من الحرب، وإنما بكيفية ضمان ألا تسقط أسماؤهم من قائمة المدعوين!
ثم تبدأ المعركة المعروفة حول التمثيل.
من يمثل القوى المدنية؟ ومن يمثل الشباب؟ ومن يمثل النساء؟ ومن يمثل الأقاليم؟ ومن يملك حق التوقيع؟ ومن يحق له الاعتراض؟ ومن سيترأس الوفد؟
وهي أسئلة قد تكون مشروعة إذا ارتبطت بمعايير واضحة للتمثيل والمشاركة، لكنها تصبح مدخلًا إلى (عواسة) سياسية جديدة عندما تتحول إلى صراع على المقاعد والألقاب.
ولا غرابة بعد ذلك أن تتعثر بعض محاولات توحيد القوى السياسية، فالخلاف ليس دائمًا حول المبادئ والبرامج، وإنما قد يتعلق أحيانًا بأمور صغيرة تكبر حتى تصبح عقبة أمام أي اتفاق.
والمفارقة أن الجميع يستطيعون كتابة بيانات طويلة عن ضرورة تجاوز الخلافات الثانوية وتقديم المصلحة الوطنية، لكنهم قد يعجزون عن تطبيق هذه النصيحة على أنفسهم!
والحقيقة أن السودان لا تنقصه العبارات الجميلة عن السلام.
فلو جمعنا البيانات السياسية التي صدرت منذ اندلاع الحرب، وأضفنا إليها توصيات المؤتمرات والورش والندوات، لوجدنا مادة تكفي لإعداد موسوعة كاملة عن كيفية إنهاء الحروب، دون أن يعني ذلك أننا اقتربنا بالقدر نفسه من إنهاء حرب واحدة.
لكن من الإنصاف أيضًا ألا نحمل الاجتماعات السياسية وحدها مسؤولية استمرار القتال. فالقرار العسكري بوقف العمليات، والالتزام بحماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات، تقع مسؤولياته المباشرة على الجهات التي تملك السلاح وتصدر الأوامر وتتحكم في الأرض.
ولا يستطيع مؤتمر مدني، مهما كانت أهمية توصياته، أن يحل محل هذه المسؤوليات.
ومع ذلك، فإن دور القوى السياسية ليس هامشيًا، فهي مطالبة بتقديم بدائل واقعية، وبناء توافقات مدنية، والدفاع عن حقوق المتضررين، ومنع تحول أي تسوية مقبلة إلى مجرد اتفاق بين أصحاب القوة والنفوذ.
وهنا ينبغي أن نسأل سؤالًا آخر: ما الذي يقدمه بعض المشاركين في مسارات السلام للسودانيين، غير بيانات المشاركة وصور الاجتماعات؟
هل لديهم تصورات واضحة لإعادة النازحين واللاجئين؟ هل يناقشون كيفية استعادة الخدمات الأساسية؟ هل يقدمون مقترحات قابلة للتنفيذ بشأن العدالة والمساءلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة؟ وهل يستطيع المواطن العادي معرفة ما الذي تحقق من تلك الاجتماعات، وما الذي تعثر، ومن المسؤول عن التعثر؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، لا عدد الوفود المشاركة، ولا أسماء الفنادق التي استضافت الاجتماعات، ولا طول البيان الختامي.
وفي هذا السياق، شهدت أديس أبابا في الثاني عشر والثالث عشر من أكتوبر 2026 مشاورات سياسية شاركت فيها قوى مدنية سودانية وممثلون لجهات إقليمية ودولية، في إطار الجهود الرامية إلى دعم الحوار السياسي وإنهاء الحرب.
ولا يمكن الحكم على هذه المشاورات بالفشل أو النجاح لمجرد انعقادها، كما لا يجوز افتراض أن المشاركين فيها يبحثون عن مصالح شخصية. لكن من حق السودانيين أن يعرفوا ما الذي ستضيفه هذه الجهود إلى المسارات السابقة، وكيف ستترجم إلى خطوات عملية، وما الذي سيجعل نتائجها مختلفة عن نتائج اجتماعات كثيرة سبقتها.
فالمشكلة ليست في أن يجتمع الناس للبحث عن السلام، وإنما في أن يصبح الاجتماع نفسه إنجازًا سياسيًا، بصرف النظر عما يترتب عليه.
وقد نصل يومًا إلى مرحلة يحتاج فيها أي مؤتمر للسلام إلى مؤتمر آخر لتقييم نجاحه، ثم ورشة لمناقشة توصيات مؤتمر التقييم، ثم لجنة لمتابعة تنفيذ توصيات الورشة!
ولا أستبعد أن نجد من يقترح بعد ذلك إنشاء آلية وطنية عليا لتنسيق لجان متابعة توصيات مؤتمرات السلام.
وعندها سيكون لدينا جهاز إداري متكامل للسلام، بينما الحرب ما زالت في مكانها!
لكن وراء هذه السخرية مشكلة حقيقية، تتعلق بغياب المعايير التي يمكن بها قياس نجاح المبادرات السياسية والدبلوماسية.
فالسلام ليس عددًا من الاجتماعات، ولا حجم التمويل المخصص للأنشطة المرتبطة به، ولا كثرة الشخصيات التي تظهر في صوره الجماعية.
وحتى التمويل المخصص لجهود بناء السلام، وهو تمويل قد يكون ضروريًا ومفيدًا، ينبغي أن يخضع للشفافية والمساءلة، وأن تكون له أهداف معلنة ونتائج يمكن تقييمها، دون تحويل مجرد الحصول على الدعم إلى قرينة اتهام أو فساد.
فالمشكلة ليست في أن يحصل مشروع جاد لبناء السلام على تمويل، وإنما في أن يغيب السؤال عن جدوى المشروع وأثره على الناس الذين يفترض أنه يعمل من أجلهم.
ومن المفيد هنا أن نفرق بين من يعيش من أجل السلام، ومن قد يجد في استمرار الحديث عنه دون نتائج وسيلة للحفاظ على موقعه أو مصالحه.
والتمييز بين الاثنين لا يكون بالشعارات ولا بالتخوين، وإنما بالأفعال والنتائج والشفافية.
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، ولم يعد مقبولًا أن تتحول معاناتهم إلى مادة دائمة للخطب والمؤتمرات، أو أن تصبح قضيتهم وسيلة لتوزيع الأدوار السياسية بين من يتحدثون باسمهم.
ولا يحتاج السودانيون إلى أن يتوقف العمل السياسي أو الدبلوماسي، بل إلى أن يصبح أكثر جدية، وأكثر اتصالًا بحياتهم، وأكثر خضوعًا للمساءلة.
فمن يريد السلام عليه أن يوضح ما الذي يفعله لتحقيقه، وما العقبات التي تواجهه، وما الذي يستطيع تقديمه للمتضررين من الحرب، بدل الاكتفاء بإعلان أنه من دعاة السلام.
أما الذين لا يرون في كل مبادرة إلا فرصة لتحسين مواقعهم، ولا في كل اجتماع إلا احتمالًا للحصول على مقعد جديد، فالأفضل لهم أن يقولوا ذلك بوضوح، حتى يعرف الناس الفرق بين مشروع السلام ومشروع (أكل العيش).
فالسودان الذي دمرت الحرب مدنه وشردت أهله، لا يحتمل أن يصبح السلام نفسه بابًا آخر من أبواب المزايدات والمصالح.
والسلام ليس وظيفة شاغرة يتنافس السياسيون على شغلها.
إنه حق شعب ينتظر استعادته.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟