أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود سلمان عجاج - حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية ووحدة المصير (الجزء الثاني)















المزيد.....

حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية ووحدة المصير (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 08:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن تاريخ البشر لا يمنحنا ما يكفي من الطمأنينة كي نراهن على المعرفة وحدها. فكثيراً ما استخدم الإنسان ما تعلمه لتوسيع أفقه، لكنه استطاع أيضاً أن يحوّل المعرفة نفسها إلى أداة لتبرير أوهامه. وقد يتقدم العلم في قراءة الجينات، بينما يظل الوعي عاجزاً عن قراءة الألم في عيون الآخرين. وربما يعرف المرء تفاصيل كثيرة عن أسلافه، لكنه لا يعرف كيف ينصف جاره، أو كيف يحكم بين شخصين من دون أن يسأل أولاً عن اسم العائلة التي ينتمي إليها كل منهما.
وهنا تكمن المسألة: ليست المشكلة في اختلاف الأصول، ولا في أن يحتفظ الناس بخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية، بل في أن يتحول الاختلاف إلى مقياس للكرامة، وأن تصبح القرابة شرطاً للإنصاف، وأن يُمنح القريب حقاً لا يُمنح للغريب، حتى حين تتساوى الحقوق وتتضح الوقائع.
فالإنسان لا يستحق الاحترام لأنه يشبهنا في دمه، ولا يفقده لأنه يختلف عنا في نسبه. الكرامة ليست إرثاً عائلياً، والعدالة لا تُورَّث كما تُورَّث الأسماء؛ إنهما مسؤولية أخلاقية تتجدد في كل موقف، ويُختبر صدقهما حين يكون علينا أن ننصف من لا تربطنا به قرابة، أو أن نعترف بحق من لا يشبهنا.
ولعل العبارة المنسوبة إلى "ديوجين الكلبي"، حين سُئل عن موطنه فأجاب بأنه "مواطن العالم"، تكتسب في هذا السياق معنى يتجاوز حدود المكان. فهي لا تعني أن يمحو الإنسان لغته، أو أن يتخلى عن تراثه، أو أن يذوب في هوية عامة تفقده خصوصيته؛ بل أن يدرك أن الانتماء المحلي، مهما كان عزيزاً، ليس نهاية انتماءاته، وأن الإنسان يستطيع أن يحب جماعته من دون أن يكره الجماعات الأخرى.
فليس ثمة تعارض بين أن نكون أوفياء لجذورنا وأن نكون منفتحين على العالم. ولا يقتضي احترام الأجداد أن نكرر أحكامهم إلى الأبد، كما لا يتطلب الوفاء للماضي أن نعادي المستقبل. إن الإرث الحقيقي ليس ما نحتفظ به مغلقاً في خزائن الذاكرة، بل ما نستطيع أن نمنحه حياة جديدة من خلال قيم تليق بالإنسان.
إن الهوية، بهذا المعنى، ليست سجناً وراثياً نولد خلف قضبانه، وليست اسماً نقضي أعمارنا في الدفاع عنه أمام أسماء أخرى. إنها ذاكرة، وثقافة، ولغة، وتجارب، واختيارات، ومواقف تتشكل في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. قد يرث المرء من أسلافه عاداتهم وذكرياتهم، لكنه يظل مسؤولاً عن الطريقة التي يحمل بها ذلك الإرث؛ فبوسعه أن يجعله جسراً للتواصل، كما يستطيع أن يحوله إلى جدار للعزلة.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة التفاخر بالنسب أنه يقوم، في كثير من الأحيان، على مفارقة بسيطة: أن يفاخر الإنسان بأمر لم يختره، ويتعامل معه كما لو أنه أنجزه بنفسه. فقد يولد المرء في عشيرة عريقة، لكنه لا يكتسب بذلك وحده فضيلة أو معرفة؛ وقد ينتمي إلى أسرة لا تعرفها مجالس المفاخرة، لكنه يصنع من عمله وأخلاقه ما يجعله جديراً بالتقدير.
ففي الجماعة الواحدة من يجتهد ومن يهمل، ومن ينصف ومن يظلم، ومن يضيف إلى الحياة ومن يثقلها بأخطائه. وفي الجماعات الأخرى أناس يحملون من المعرفة والنزاهة والإنسانية ما قد يعجز عنه من يرفعون أصواتهم بأمجاد أسلافهم. فبأي منطق نمنح إنساناً منزلة قبل أن نعرف شيئاً عن سلوكه، لمجرد أنه وُلد في الاسم الذي نفضله؟ وأين تذهب العدالة إذا صار الميلاد حكماً مسبقاً على قيمة الإنسان؟
إن تفاهة التعصب القبلي لا تكمن في معرفة النسب أو الاعتزاز به، بل في الاعتقاد بأن هذا النسب يمنح صاحبه امتيازاً أخلاقياً على سواه. ليس عيباً أن ينتمي المرء إلى عشيرة، وإنما العيب أن يجعل انتماءه حجة للانتقاص من إنسان آخر، أو أن يقيس الحق والباطل بميزان القرب والبعد، لا بميزان العدل.
فالنسب حكاية عن الماضي، أما الأخلاق فهي ما نكتبه في الحاضر. والأول قد يفسر بعض ما نحن عليه، لكنه لا يعفينا من مسؤولية ما نفعله. وليس السؤال الأهم أن نعرف إن كان أجدادنا قد تركوا لنا اسماً كبيراً، بل أن نسأل ما إذا كنا قد أضفنا إلى ذلك الاسم ما يجعله جديراً بالبقاء.
وقد تتغير الحياة في المستقبل البعيد على نحو يجعل الحدود الاجتماعية والجغرافية أقل قدرة على تحديد مسارات البشر. وربما تتسع وسائل التواصل والتنقل، وتتداخل المجتمعات بدرجات غير مألوفة، وتتطور العلوم التي تكشف بعض أسرار الوراثة وتؤثر في جوانب منها. غير أن هذه التحولات، مهما بلغت، لا تضمن أن يصبح الإنسان أكثر إنسانية؛ فالتقدم في القدرة لا يعني بالضرورة التقدم في الحكمة، واتساع المعرفة لا يساوي دائماً اتساع الضمير.
قد يعرف إنسان المستقبل امتداد جذوره عبر آلاف السنين، لكنه يظل عاجزاً عن تجاوز خصومة صنعها اسم عائلي. وقد يكتشف صلات وراثية بين جماعات ظلت زمناً طويلاً تنظر إلى بعضها بريبة، لكنه لا يجد في نفسه ما يكفي من التسامح ليبدأ علاقة جديدة معها. عندئذ يكون العلم قد أعاد رسم خريطة الماضي، فيما بقيت النفس أسيرة حدود لم يعد لها ما يبررها.
ولعل المفارقة الكبرى أن الإنسان، كلما تعمق في البحث عن بداياته، اكتشف مقدار ما يجهله عن امتداداته. فالأصل الذي اتخذه البعض ذريعة للتعالي قد يتحول إلى دعوة للتواضع، والنسب الذي استُعمل لرسم الحدود قد يكشف عن روابط لم تكن تخطر على البال. وما بدا في الذاكرة حكاية مكتملة قد يظهر، في ضوء المعرفة، فصلاً صغيراً من كتاب لم تُقرأ صفحاته كلها بعد.
ومع ذلك، ليس المطلوب أن نتخلى عن الجذور كي نكون أحراراً منها، بل أن نعرف موضعها في حياتنا. فالجذور تمنح الشجرة ثباتها، لكنها لا تجعلها مالكة للأرض التي نبتت فيها، ولا تمنحها حق منع الأشجار الأخرى من النمو. ولكل شجرة حكايتها، غير أن الغابة لا تقوم بشجرة واحدة، ولا تكتمل الحياة حين تتوهم شجرة أنها وحدها تستحق الضوء.
ربما يأتي يوم يسأل فيه حفيدٌ جدَّه عن العشيرة التي ينتمي إليها، فيجيبه باسمها، ثم يتبعه بأسئلة عن الأسلاف الذين سبقوا ذلك الاسم، وعن الذين عاشوا قبل أن تتشكل الحدود والروايات التي يعرفها. وقد يمضي السؤال أبعد مما يستطيع الجد أن يجيب، حتى يصل إلى مسافة غامضة تتداخل فيها حكايات البشر، وتتشابك طرقهم، ويصبح كل أصل معروف بدايةً لأصل أقدم منه.
قد يصمت الجد لحظة، لا لأنه لا يملك اسماً آخر يضيفه، بل لأنه يدرك أن الحكاية أطول من الذاكرة، وأن ما حفظه من أسماء لا يمثل إلا جزءاً مما جرى. وعندها قد يكتشف الحفيد أن الانتماء ليس خطأً ينبغي محوه، لكنه ليس حقيقة كاملة تبيح له أن يتعالى على أحد؛ وأنه، مهما اعتز بجذوره، يظل جزءاً من شجرة بشرية أوسع، تتعدد أغصانها وتتشابك جذورها، فيما يجمعها مصير واحد على هذه الأرض.
فما قيمة أن يعرف الإنسان أسماء جميع أجداده إذا ظل يجهل قيمة الإنسان الذي يقف أمامه؟ وما جدوى أن يكشف العلم له امتداد جذوره عبر آلاف السنين، إذا بقي وعيه أسير حدود ضيقة رسمتها حكاية قديمة؟
لعل المستقبل لا يطلب منا أن نتخلى عن الماضي، بل أن نعيد قراءته؛ ولا أن ننكر أنسابنا، بل أن نكف عن تحويلها إلى مراتب للتفاضل. فليس أعظم ما قد يكتشفه الإنسان عن حمضه النووي أنه ينتسب إلى هذه السلالة أو تلك، وإنما أن يدرك أن حكاية وجوده أوسع من أن يحتكرها اسم، وأعمق من أن تختصرها عشيرة، وأن قيمته لا تبدأ من الذين سبقوه، بل مما يختار أن يكونه هو.
وحين تتراجع أصوات المفاخرة قليلاً، ربما نسمع سؤالاً آخر، أكثر هدوءاً وأشد إلحاحاً؛ سؤالاً لا يسألنا عمن كان أجدادنا، بل عما فعلناه نحن بما ورثناه عنهم، ولا يطالبنا بإثبات نقاء جذورنا، بل بامتحان ما نثمره في حياتنا.
فإذا كان لكل إنسان ماضٍ يتصل بماضٍ أقدم منه، وإذا كانت الحكايات التي تفصل بيننا أقل اكتمالاً مما نظن، وإذا كان المستقبل سيكشف مزيداً من الروابط التي لم نكن نعرفها، فربما لم تعد المسألة في نهاية المطاف: من أي عشيرة جئنا؟ بل في سؤال آخر، قد يكون أصدق في التعبير عن معنى وجودنا: أيُّ إنسانية نريد أن نتركها لمن سيأتي بعدنا، حين لا تعود أسماء الأجداد كافية للإجابة عن السؤال؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...


المزيد.....




- أوباما يعلق ساخرًا على رد فعل ترامب بشأن تعليقه عن تصميم الب ...
- مراسل CNN يضغط على مرشحة جمهورية بشأن التصويت لصالح صلاحيات ...
- موسكو: محاولات الغرب لإفشال مشاركة دول إفريقية في القمة مع ر ...
- سيئول: كوريا الشمالية أطلقت نحو 12 صاروخا باليستيا قصير المد ...
- الدفاع الروسية: استهداف سفينة محملة بشحنات عسكرية أثناء توجه ...
- الإمارات تدعو إلى الحوار والحلول السياسية وسط تحذيرات من حمل ...
- مجتبى خامنئي برسالة إلى طلاب: تجهزوا بالعلم وأسهموا بتعزيز ق ...
- اليمن.. دعوات للتحقيق باستخدام الحوثي قذائف يشتبه باحتوائها ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. ما هي خيارات آيزنكوت ونتنياهو ووضع ...
- في ظل التلويح بضرب إيران.. مصدر: هيغسيث يقيل مسؤولًا عسكريُّ ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود سلمان عجاج - حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية ووحدة المصير (الجزء الثاني)