أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين كان الرمل وطناً














المزيد.....

حين كان الرمل وطناً


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 01:46
المحور: الادب والفن
    


أحاول أن أزيح عن كتفيَّ ما تراكم فوقهما من ثقل السنين، أن أخلع عن روحي معطف الكهولة، ولو للحظات، وأهرب بعيداً عن هذا العمر الذي أثقلته الذاكرة، إلى حيث لا تجاعيد للوقت، ولا حسابات للخسارة، ولا أسئلة معلّقة في آخر الطريق.
أهرب إلى الطفولة.
إلى تلك الأسطورة الأولى التي لم نكن نعرف أنها ستصبح ذات يوم أجمل ما فقدناه. أعود إلى بدايات الأشياء؛ إلى اللعب المبعثرة في زوايا الذاكرة، إلى ضحكات لا تعرف معنى الانكسار، إلى أصابع صغيرة كانت تصنع من اللاشيء عالماً كاملاً. أدندن، كما كنت أفعل، أغنيات البراءة، وأبحث بين شظايا الألعاب عن طفلٍ ما زال يسكنني، طفلٍ لم تلوثه الخيبات، ولم يتعلم بعدُ كيف يخفي ألمه خلف ابتسامة.
هناك، بين تلك الفوضى البريئة، أجد شيئاً من ذاتي التي أضاعها الطريق.
أجلس أمام محكمة طفولتي، وأحاكم فوق صخرة بيضاء كل ما أثقل روحي؛ أضع همومي وآهاتي، خيباتي وانكساراتي، سنوات الانتظار، ووجوهاً عبرت ولم تلتفت، وأحكاماً لم أفهمها إلا بعد فوات أوانها.
ثم أتركها كلها للريح.
كأنني أقول لنفسي: لم يكن عليك أن تحمل كل هذا العمر وحدك.
وعلى شاطئ الذاكرة، أعود إلى الرمل.
أجمع حفناته بكفين مرتجفتين، وأبني بيتاً صغيراً، لا يحتاج إلى أبواب ولا نوافذ، يكفيني أن يتسع لطفلٍ واحد، لطفلٍ يشبهني قبل أن تعرف الحياة طريقها إلى قلبه.
أضع في داخله أشيائي الصغيرة: لعبة قديمة، ضحكة منسية، وجهاً لم يبهت بعد، أغنية بعيدة، وحلماً لم يجد الوقت الكافي كي يكبر.
ثم أنظر إليه وأبتسم.
يهتز البيت.
تعبث به موجة عابرة.
يتهاوى.
لا يهم.
أمد يدي إلى الرمل، وأعيد بناءه من جديد.
ففي الطفولة لا نخاف من سقوط البيوت؛ لأننا كنا نؤمن أن بإمكاننا بناءها كلما انهارت.
أعيد بناءه مرة، ومرتين، وعشرات المرات، وكأنني بذلك أحاول أن أعيد بناء شيء آخر تهدّم في داخلي ولم يعد للرمل قدرة على ستره.
وفجأة...
صوتٌ يناديني.
صوت يأتي من مكان لا أعرفه، أو ربما أعرفه جيداً وأحاول نسيانه.
ألتفت.
أستيقظ.
أجدني واقفاً في منتصف العمر، والبحر بعيد، والرمل بارد، والبيت الذي بنيته لم يكن سوى صورة عابرة في حلم يقظة.
أضحك.
أضحك بملء أشداقي، لا لأنني سعيد، بل لأنني اكتشفت للحظة أنني كنت قادراً على السعادة، ولو في مكان لا وجود له إلا في رأسي.
ثم يخفت الضحك.
وأفهم الحقيقة متأخراً:
لم أفقد طفولتي دفعة واحدة؛ لقد فقدتها بالتقسيط، مع كل خيبة، وكل رحيل، وكل حلمٍ اضطررت إلى دفنه كي أواصل السير.
أقف حائراً أمام ما تبقى من ذلك الحلم.
أبحث عن الطفل الذي كنتُه، فلا أجد سوى ظله.
أمد يدي نحوه، فيتراجع.
أناديه، فلا يجيب.
وحينها أبكي، لا على بيت الرمل الذي هدمته الموجة، ولا على الألعاب التي تناثرت في دهاليز الذاكرة، بل على تلك الأحلام التي وُئدت قبل أن تعرف كيف تنطق باسمها.
أبكي وأنا أتقبل قصاص الوجد والنوى؛ ذلك القصاص الذي لا تصدره محكمة، ولا ينفذه جلاد، بل تنفذه الذاكرة حين تعيد إلينا ما أحببناه في اللحظة التي ندرك فيها أننا لم نعد قادرين على استعادته.
ومع ذلك...
في آخر الحلم، أعود إلى الشاطئ.
أجمع حفنة من الرمل، وأبدأ ببناء البيت من جديد.
لا أدري إن كنت أبنيه للطفل الذي فقدته، أم للرجل الذي ما زال يبحث عنه.
كل ما أعرفه أن الموجة ستأتي.
وأن البيت سيتهدم.
وأنني، رغم كل شيء، سأمد يدي إلى الرمل مرة أخرى...



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...


المزيد.....




- عازف الكمان ديفيد غاريت يطلق ألبومه الجديد «Immortal» احتفاء ...
- التشكيلي طه سبع يستلهم من مراكش ليلة جديدة لألف ليلة وليلة
- توماس مان يعود مظفرا بعد الحرب الى ألمانيا.. وجلسة عن المهرج ...
- إطلاق مشروع «فضاء المدينة» في بيروت: مساحة شبابية جديدة لترم ...
- الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي ...
- الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
- العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر ...
- -لا تقولي حظا سعيدا-.. فيلم عن النضج والحزن ومواصلة الحياة
- -كلايفيس-.. رهان جديد يمزج الرعب بأفلام الأبطال الخارقين
- فيلم «بَكْمَة».. صرخة سينمائية تونسية في وجه التهميش والعنف ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين كان الرمل وطناً