أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حافة التوقعات














المزيد.....

حافة التوقعات


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 03:48
المحور: الادب والفن
    


أقف دائماً على حافة التوقعات، أصغي إلى همسٍ يتسرّب من أعماقي؛ لا أعرف أهو قادم من تحت الضلوع، أم يتردّد خلف صفائح الجمجمة، حيث تختبئ أشياء لم تحدث، لكنها تتصرّف في داخلي كما لو أنها وقعت بالفعل. يرسم لي ذلك الهمس مشاهد لا أتوقعها، ثم يتركني في مواجهة احتمال وقوعها، كأن المخيلة لا تكتفي باختراع ما لا وجود له، بل تحاول إقناعي بأنني تأخرت في اكتشافه.
ثمة عتبة غامضة أقف عندها، تفصل بين نسختين مني؛ لا تتعارفان تماماً، ولا تستطيع إحداهما التخلص من الأخرى. أحياناً أشعر أنني شاهد على انقسام داخلي، وأن ما أسميه ذاتي ليس سوى صوتين يتناوبان على جسد واحد، لكل منهما طريقته في تفسير العالم، ولكل منهما خوفه الذي يتخفّى في هيئة يقين.
إحداهما تميل إلى التهدئة، وتدعوني إلى مغادرة ضجيج الأيام، لا بالابتعاد عنها، بل بالتحليق فوقها. عندئذ أجدني أراقص الغيوم المتشكّلة في خيالي، أو أتمدد فوق إحداها، أضع كفي تحت رأسي، وأترك ساقيّ تتأرجحان مع الريح، بلا وجهة ولا غاية. هناك، حيث لا أبواب تُغلق في وجهي، ولا ساعات تطاردني، أستعيد شيئاً من حريتي المفقودة. لا أريد من العالم أكثر من أن يتركني أكون كما أشاء، ولو لبرهة، من دون أن يطالبني بتفسير أحلامي أو إثبات مشروعية هروبي.
لكن الغيوم، مهما اتسعت، لا تمنحني سماءً خالصة؛ فثمة صوت آخر يقطع عليّ نشوتي، يتسلل إلى الحلم كما يتسلل الإنذار إلى لحظة سكون. إنه صوت ثقيل، يتحدث بلغة التهويل، ويستحضر الأحداث الكبيرة كما لو أنها تقف خلف الباب، تضع أصابعها على المقبض، وتنتظر إشارة لا أعرف مصدرها. لا يقول إن شيئاً سيقع فحسب، بل يجعلني أشعر أن وقوعه صار أقرب من أن يُردّ، وأن المسافة بين اللحظة الراهنة والانفجار المحتمل ليست إلا وهماً تصنعه الطمأنينة كي تؤجل اعترافها.
تلك النسخة لا تتنبأ بقدر ما تُهيّئني للخوف. تمنح الاحتمالات وجوهاً، وتكسو الظلال أجساداً، وتحوّل المصادفات الصغيرة إلى شواهد على شيء أكبر لا أستطيع الإمساك به. وكلما حاولت إقناعها بأن العالم لا ينهار لمجرد أنني تخيلت انهياره، ازدادت إصراراً، كأنها تستمد قوتها من مقاومتي لها، وكأن إنكار الخطر في نظرها دليل إضافي على اقترابه.
وحين تتكاثف الصور في رأسي، أحاول الفرار بذلك الوعاء اللحمي الذي يحملني، أجرّه بعيداً عن مركز الهواجس، إلى منطقة ضبابية لا تتضح فيها الملامح ولا تستقر فيها الأشياء على هيئة نهائية. أهرب، لا لأنني أعرف ما الذي ينتظرني، بل لأنني أخشى أن أكون شاهداً على ما لا أملك دفعه، أو أن أجد نفسي في قلب لحظة لا تمنحني الوقت الكافي لأفهمها. أريد أن أسبق الحدث بالابتعاد عنه، وأن أنجو من شيء لم يتأكد وجوده بعد.
ومع ذلك، لا أعرف إن كان هروبي نجاة أم طريقة أخرى للاقتراب. فكلما ابتعدت عن الصورة التي يرسمها الصوت الثقيل، حملت معي ظلاً منها، وكلما لجأت إلى الخيال طلباً للسكينة، تسلّل إليه شيء من ذلك الإنذار، حتى غدت الغيوم أقل اطمئناناً، والريح أكثر شبهاً بيدٍ خفية تدفعني نحو جهة لا أريدها.
أحياناً أتساءل: أيّ النسختين أكثر صدقاً؟ تلك التي تمنحني سماءً أستريح تحتها، أم تلك التي تحذرني من عاصفة لم تظهر بعد؟ وهل الهمس الذي يسكنني حدسٌ يلتقط ما تعجز الحواس عن إدراكه، أم خوفٌ قديم يتقن ارتداء ثياب المستقبل؟ لا أجد جواباً؛ فكلما حاولت الفصل بينهما، اكتشفت أن الصوتين يخرجان من موضع واحد، وأن اليد التي تفتح نافذة الحلم هي نفسها التي تغلق باب الطمأنينة.
لهذا أبقى على الحافة، لا أتقدم بما يكفي لأواجه ما أتوقعه، ولا أتراجع بما يكفي لأتخلص منه. أراقب الأفق، وأصغي إلى داخلي، وأنتظر أن يحدث شيء يضع حداً لهذا الانتظار، من غير أن أعرف إن كنت أرغب حقاً في حدوثه، أم أنني أخشى أن ينتهي الانتظار فأجد نفسي وجهاً لوجه أمام حقيقة لم يعد الخيال قادراً على حمايتي منها.
وفي إحدى الليالي، حين خفت الهمس حتى حسبته قد غادرني، رفعت رأسي نحو السماء. كانت الغيوم ساكنة، والريح لا تحرّك شيئاً، والبعيد خالياً من أي علامة. تنفست بعمق، ومددت قدمي خارج الحافة، أختبر المسافة بيني وبين المجهول.
لكنني، قبل أن أخطو، سمعت طرقاً خفيفاً خلفي. التفتُّ، لم يكن هناك أحد، ومع ذلك، كان الباب مفتوحاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض


المزيد.....




- الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي ...
- الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
- العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر ...
- -لا تقولي حظا سعيدا-.. فيلم عن النضج والحزن ومواصلة الحياة
- -كلايفيس-.. رهان جديد يمزج الرعب بأفلام الأبطال الخارقين
- فيلم «بَكْمَة».. صرخة سينمائية تونسية في وجه التهميش والعنف ...
- روسيا.. هرم من الطراز المصري يزين حدائق كاترين الثانية في ضو ...
- سياسة الرغبة.. كيف يؤيد الإنسان السلطة التي تستغله وتقمعه؟
- -يمكنك رؤية كل شيء- يحقق أكبر افتتاحية لفيلم وثائقي منذ عقود ...
- نبيل فهمي: دعم لبنان ووحدة أراضيه أولوية عربية.. ونسعى لترجم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حافة التوقعات