أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لا تثق














المزيد.....

لا تثق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 08:28
المحور: الادب والفن
    


ما بين الفقرِ وعدم الخنوعِ هنالك مسافةٌ تفصلهما عن نقطةِ اللاعودة، ليس معلوما كمْ من الوقت قد يستغرق للوصول إليها، فهو يعتمد على مدى إمكانية ضبطَ الأنفاسِ والصمودَ أمام ذلك الإيقاعِ الصاخبِ في داخل الرأس، فألمُ العوزِ يُوسِعُ مع الأيامِ مساحةَ السرابِ لذلك الخلاصِ المرتقب، مع بدايةٍ لتهشم هويةُ الذات، ويمتزجُ الخوفُ مع اليأس، ليقترب من حافةِ السقوط في أتونِ العبوديةِ من دون حول ولا قوة، شعورٌ لا يتم البوح به، خُلق ليسكن الدواخل، ربما يستغرقُ لحظات، أو ربما يطول لأشهر، اعتمادا على ذلك الصمود، حينها سيصبح الحزنُ إدمانا، ويسودُ الصمتُ وهو في أوجِ البراءة, ولتتدافع الأرواحُ من دون وعي نحو جوفِ القطيع، ففي تلك اللحظاتِ تتوقفُ الحاجةُ في الاستمرارِ بجلدِ الذاتِ بتلك الأسواطِ التي كانت مذهبةً بالأحلام، فلا حاجة لأن تتسلق الذكرياتُ على أسرجةِ أحصنةِ الوهم، عليها أن تبحثَ عن أمكنةِ النسيانِ وإن كانت في أنهارِ الليلِ المتلاطمةِ الأمواج، أو عن عويلٍ صامت، أو إلى رسالةٍ يدونها أصحابُها ما قبل الموت، تُكتبُ على شكلِ طلاسمٍ بلغةِ الهزيمة، أو ترميمٍ لنشيدِ الأسى، لتثبت على شواخصِ القبورِ للتذكير، ذلك النداءُ الصامت.
تواترت أسرابُ الهموم، ووجد صعوبةً في استجماعِ مشاعره التي بدأت تتشتت في رأسه، يتمنى لو يتسارع الزمنُ ليستكشف الخبايا، أو أن يذوب في متاهته ليبتعد أكثر، بذكرياتٍ تنتمي إلى ماضٍ ليس بالبعيد فيخامره الشعورُ بالوجل، فالشعرُ أشيبٌ والتجاعيدُ تملأ الوجه، يرتدي بزةً بلونٍ أخضرٍ فاتحٍ يعتز بها كونها هديةً من أحدِ الأصدقاءِ الذي وافته المنية قبل أعوام، لم يكن يعلم كيف وافق على العملِ في منطقةٍ كان يتحاشى المرورَ بها إلا بالضرورة، ربما لرفضه الدائم للاستسلام، فالتشبثُ بشيءٍ في هذه الحياةِ لا تعني الطمع، بل تعني له أنه لا يزال كائنٌ فيها، فكيف له أن ينسى ما جرى له من أحداثٍ قبل ثلاثةِ عقود, فلقد تركت أثراً عميقاً في دواخله، ربما الصدفةُ قد لعبت دوراً في هذه الفترةِ من حياته، فهنالك جروحٌ ولدتها تلك السنون لا يمكن أن تندمل بسهولة. السماءُ تهمي رذاذا، يحاولُ أن يفتح البابَ لزحفِ اللامبالاة، فينتزع نفسه من هواجسها، التي تتنبأ دوما بالخفوتِ السريعِ لأنجمِ الحكايات، إلا أنها ككلِّ مرةٍ تفصح عن وميضٍ مفاجئ، فتبهره النهايات، هواجسٌ حائرةٌ في مخيلته، وتردد مرير يرافقها، فالصعوبةُ تكمن في المغادرةِ من أجواءٍ قد اعتاد عليها ما بين كتبه المبعثرة، إلا أنه يعود من دون وعي منه إلى صراعِ تلك القوتين في دواخله بنفسٍ مضطربةٍ أكثر، فكيف له أن يتخلى عن ملاذه، يحاور ذاته التي تاهت ما بين قبولٍ ورفض، إلا أنَّ قوةً تدفعه إلى الالتحاقِ بالعملِ لتجاوزَ مرحلةَ الرتابةِ التي ربما سيمر بها في يوم ما، فتستحضرُ حكمةٌ كان قد سمع بها تقوي زخمه.
- "لن تُزهر في قومٍ نشأت فيهم"
واخرى تقف امامه كالسدِ المنيعِ لتعرقل زحفَ تلك الدواخل, فيفترسه الشعورُ بالخشية, فالمالُ غالبا ما يفتحُ العقد, فتكرر له.
- لا تثق بمن يُكثر من إعطاءِ الوعود.
يقطعُ استرساله طقطقةُ الحصى تحت عجلاتِ السيارة، خاصة بعدما سلكت طريقاً ترابياً على ما يبدو، فالشمسُ لا تزال عالقةً في بدايةِ السماء، يظهرُ الجزءُ العلوي من قرصها، ترسلُ أشعتَها الخجولةَ على شكلِّ حزمةٍ مخترقةٍ فجوةً من بين الغيومِ التي تلبد السماء، والمطرُ لا يزال يجلدُ نوافذَ السيارة، والرياحُ أخذت تجري بالسحبِ نحو أقاصي الشرق. بدأ المكانُ يظهرُ عن قرب، أرضٌ متموجةٌ استطاعت المعداتُ الحديثةُ من تحويلها إلى ساحةٍ كبيرٍة منبسطة, تحدها فوالقٌ ترابيةٌ حادة، ضجيجُ المعداتِ يعود من جديد، وحاضرٌ يعيده إلى ماضٍ قد رحل وظلت فيه الذكرى، والذاتُ تدفعه نحو سرابٍ من وميضِ الرفعة، بأنَّ العمرَ لا يقاس بتساقطِ السنين، بل بما يقدمه إلى أن تحين لحظةُ الفناء، لذا بدا يحاول أن يخترقَ جدارَ الزمنِ علّه يعرف ماذا سيدور، ولعلّه ألا يجدُ نفسه من يضحي دائما في المراتبِ الدنيا، فعبرَ الأزمانِ لم تتغير الأفكارُ وإن ظهرت الحقائقُ كي تحرفها نحو جادةِ الصواب، لأنَّ قدرةَ المالِ دائما هي من تسود أمام الخيال الذي يرسم الطريقَ ويُعبّده في وسطِ الأمكنةِ الوعرة، ليعودَ في النهايةِ بأفكارٍ على شكلِّ هذيانٍ يشبه التواجد الواهن الذي يستجدي على حافةِ الطرقات.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...


المزيد.....




- الروس يختارون فيلمهم المفضل لعام 2026
- الباليه الروسي.. من أحلام الطفولة إلى سنوات التدريب الشاق
- -معركة المحركات- يتجاوز المليار روبل في شباك التذاكر الروسي ...
- ريان جونسون يروّج لتطبيق «كروماغراف» لتصوير آيفون بمعالجة سي ...
- صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
- أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس ...
- بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس
- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لا تثق