أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - غياهبُ الكتمان














المزيد.....

غياهبُ الكتمان


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 02:16
المحور: الادب والفن
    


غارقُ في التأملِ بنظراتٍ تائهة، وكأنه يصغي إلى أصواتٍ بعيدةٍ خارج المكان الذي هو فيه، تحيطُ به هالةُ الوحدةِ التي تسبرُ أغوارَ الروحِ بابتلاءِ الأسئلةِ وكأنها تشمتُ بحواراتِ صخبٍ قديمة، تلك الوحدةُ الممتدةُ في الأرضِ المنبسطةِ على ضفةِ النهرِ الغربية، فسحةٌ واسعةٌ كانت خضراء في زمنٍ قريبٍ قبل أن تنشأ فيها المئاتُ من الدورِ السكنية، تحدها من جهةِ ذلك النهرِ سدةٌ ترابيةٌ لإيقافِ تمدده في شهرِ نيسان، أو لإيقافِ زحفِ ذلك البناءِ المحمومِ نحو ضفته, يجدُ نفسه يحركُ شفتيه ويتلفظُ بلا صوتٍ كأنها تنهيدةُ شكوى، علّها تبددُ الخوفَ كي تنطقَ بإسرارِ الحقيقةِ المختبئةِ ما بين الثنايا، لذا بدأ يأخذُ نفساً عميقاً عسى أن يتمكنَ من إيجادِ إجاباتٍ عما تتحدث به نفسه، فلقد انصرمَ شوطٌ طويلٌ من تأريخه بمغالطاتٍ كثيرة، وتعكسه تصرفاتُ من أغدقَ عليهم في العطاء.
- ليس لديّ دليل.
يجتاحه سرورٌ باطني وتغمره السكينةُ في تلك اللحظاتِ حينما وضعها في خانةِ التصورِ العفوي لا أكثر، ويفترض بعدم وجودها، إلا أنه وفي لحظةِ سكونٍ كأنه بدأ يخشى من أن يُرفعَ الغطاءُ ويمسَ الحقيقةَ بعدما استوطن فيه نبضُ العتمة، لذا أصبح أقرب ما يكون تحت ظلالِ الحزنِ الدفين، ليعودَ إلى ذلك الشعورِ الأكيدِ بتلك الهواجس.
- كيف لي أن أتغلبَ على ذلك الاندفاعِ المحموم؟
يعود إلى يقظته، فتأسره مياهُ النهرِ المتكسرةَ تحت أشعةِ الشمسِ قبل أن تتجه نحو الغروب، إلا أنه ليس بالمزاجِ العابر، يتمددُ الوقتُ وتتباطأ نبضاتُ قلبه وهو يحاولُ أن يثبّتَ تلك الصورةَ في ذهنه، وأن يظهر بأن العطاءَ ما هو إلا سمةً إنسانية تشعره بالسعادةِ الغامرة، كما يحدثه به قلبه، وما خفي سيركن في زاوية الخبايا، إلا أن العقلَ يتدخلُ فجأة.
- وهل تعتقد ذلك ممكنا؟
بدأ يثور على ما في دواخله، وتلتهمه الحقائق، ترتسمُ على ملامحِ وجههِ بدايةٌ لظهورِ تلك الشكوك، لذا أخذ يداهمه الخوفُ وصمته يكتنفه الغموض، وسكونُ يصلُ إلى حدِ كتمِ الأنفاس، أمام إيقاع تلك الحكاية.
- ستبقى قليلَ الحيلةِ بعد ذلك الاندفاع.
يحاول النهوضَ من مكانه بعدما أضناه عقله، يغمضُ عينيه كي لا يصابَ بالدوار، يدركُ أنَّ خطواته الأولى تُظهر ذلك، تبدو أنها تأخذ مساراً غير منتظم، والذكرياتُ لها أفعالها التي تتفاوت في أثرها ، لم يحدثْ أن طرأ في ذهنه التفكيرُ في تلك التغيرات، إذ كان يسمعُ عنها إلا أنه يستبعدُ أن تنطبقَ عليه في يومٍ من الأيام.
يخاطبُ المجهول، ذلك اللاشيء الممتدُ بلا حدود، غير مدركٍ بما يراوده من أفكار، كأنها كتابةٌ قديمةٌ يصعبُ حلَّ رموزها، ليجدَ نفسه كمن يحاولَ أن يوهمَ دواخله، فترتعشُ أصابعه، ويجتاحه الكدرُ الصامتُ الذي بدا يظهر في ملامحه، إذ طالت هرولته وراء أحلامِ اليقظة وبددت سنينَ عمره من دون أن يشعرَ بها، وتعمقت الأخاديدُ في الوجه، فيصابُ بذعر كأنما لا نهاية له، ويصاحبُ ذلك الذعرَ رياحٌ صيفيةٌ لاهبةٌ ترفعُ درجاتِ الأشياءِ المحيطةِ به كلَّها، فكيف له أن يعودَ إلى الماضي كي يتوقفَ قبل أن يبدأ، وأن يراجعَ تلك الصورةَ التي نشأ عليها وفي دواخله سدودٌ من المشاعرِ الجياشةِ تكادُ تنهار في لحظةِ وقوفه أمام من مدَّ لهم يده من دون حدود، فيداهمه صوتُ عقله.
- ستتحول إلى حالةِ كرهٍ في يوم ما.
تثير في نفسه الرهبة، بدت الحقائقُ تلتهمه ولو أنه كان يعتقدُ بعدم اكتشافها، يلاقي صعوبةً في العودةِ بعدما وجدَ الليلَ بدأ يهيمن، وأخذت تزدادُ معالمَ الأشياءِ شحوبا، يعبرُ السدةَ الترابية، فيسمعُ صدى وقع خطواته وهي تضربُ الحصباءَ التي تغطي الشوارع، وخشخشةٌ لقططٍ متصارعةٍ بين فترةٍ وأخرى، تتصاعدُ أعمدةُ الظلام، فيستشعرُ صعوبةَ مرور الوقتِ في تلك الظلمةِ التي خيمت بسببِ تصاعد البناء الذي لم يكتملْ بعد، عدا الضوءَ الأحمرَ المتحركَ من سيجارته.
يصل أخيرا إلى البيت فوق قمة التل، يرددُ كلماتٍ أقرب إلى نفسه محاولا النجاة من طوفانِ أفكاره، يحاوره صوتُ دواخله عن همساتِ الهوى وظمأ من دون حدود، ليقرَ مع نفسه بأنه مرتبطٌ معهما بشحٍ منذ الطفولة، إلا أنَّ صدى صوتِ الحاضرِ يكسرُ ذلك الرابط، يشد أنفاسه، فتتهاوى إرادته، تأخذ معها الجسدَ الذي تحول إلى كومةٍ من العظامِ والعضلاتِ الناتئة, يحاولُ أن لا يستسلم، أن يرد، فيجدُ في نبراتِ صوته شيئاً من الحشرجةِ تعكسُ تلك الشكوكَ التي أوصلته إلى حافةِ اليأس، لذا تناولَ القلم، يمسكه وهو يحاول أن يزيلَ ذلك الارتباك، يحركه بصعوبةٍ على سطحِ الورقة، بعدما مارسَ كلَّ أنواعِ الجنون, يتوقفُ ما بين طياتِ الصمتِ وصوتِ أنفاسه، يحاول أن يغازلَ النسيانَ, يجدُ صريرَ ذلك القلمَ يجره إلى كهوفِ العزلةِ, ليهلوسُ بجملٍ بلهاء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه


المزيد.....




- مهرجان تطوان الـ31 يختتم أعماله.. الجائزة الكبرى لـفيلم -اغت ...
- فيلم -Crazy Rich Asians- يتحول لمسلسل بمشاركة نجومه الأصليين ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يستعين بمنظمة الفنون القتالية لتدري ...
- أندرو محسن للجزيرة نت: فلسطين حاضرة في الجونة وسينما محمد خا ...
- حمى البحر المتوسط: دليل شامل للأمراض والفيلم المرتبط بهذا ال ...
- المتحف الزراعي ومعرض “زهور مصر” يواصلان استقبال الزوار بالكر ...
- رئيس وزراء ماليزيا: الشارع في بلادنا يعرف مكانة مصر والأزهر ...
- ترجمة الأفلام: الفن الخفي لإعادة إبداع السينما
- رئيس الحكومة اللبنانية: النهضة الفكرية تتطلب استعادة سيادة ا ...
- تركيا.. المؤبد المشدد لابنة المطربة -غللو- قاتلة والدتها


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - غياهبُ الكتمان