|
|
مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأملية في رواية مراجيح الموتى للكاتب عزام الرملي
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 10:11
المحور:
الادب والفن
حين شرعتُ في قراءة رواية "مراجيح الموتى" للكاتب عزام الرملي، لم أشعر أنني أمام نص يريد أن يروي حكاية مكتملة بقدر ما وجدتني أمام ذاكرة تنزف وهي تحاول أن تستعيد ما تبعثر منها. فثمة نصوص لا تكتفي بأن تُقرأ، وإنما تستدعي القارئ إلى منطقة ملتبسة بين الماضي والحاضر، بين ما حدث فعلاً وما بقي منه في الذاكرة، وبين الغياب الذي ينتهي بالموت والغياب الذي يواصل حضوره فينا. منذ عتبتها الأولى، تضع الرواية القارئ أمام معنى الفقد لا باعتباره حادثة عابرة، وإنما بوصفه تجربة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. ولعل العبارة التي تبدأ بها الرواية: "إلى الرصاصة التي لم تصب أحداً" تكشف جانباً من هذا المعنى؛ فالطلقة قد لا تصيب الجسد، لكنها تستطيع أن تصيب الروح، وأن تترك أثراً لا يظهر على الجسد، وإنما يستقر في الذاكرة. وفي هذا السياق تكتسب المرجوحة دلالتها المركزية. فهي ليست مجرد قطعة خشبية معلقة في زاوية بيت قروي، وإنما صورة تختصر حالة الوجود نفسه؛ شيء يتحرك بين نقطتين ولا يستقر في أي منهما. وعندما تظهر الشمعة المعلقة على لوح خشبي والأجساد المغطاة بالصوف، يصبح المشهد معلقاً بين دفء البيت وبرودة الموت، بين الطفولة والخوف، وبين الحياة التي لم تكتمل والموت الذي اقترب أكثر مما ينبغي. هكذا تتحول المرجوحة من لعبة طفولية إلى استعارة للإنسان الذي وجد نفسه معلقاً بين الحياة والموت، بين ما كان يحلم به وما آل إليه مصيره. ويزداد هذا المعنى وضوحاً حين تقول الرواية: "عن مراجيح الجبال / جرب قبل أن تأتيك حجافل الرصاص / قبل أن يرتفع وطيس الحرب / قبل الفجر. قبل الأمنيات" فالمرجوحة هنا لا تعود حركة بريئة في فضاء الطفولة، بل تصبح كأنها اللحظة الأخيرة التي تفصل اللعب عن الرصاص، والحلم عن الحرب، والأمنية عن الخيبة. ومن المفارقة أن الشيء الذي كان يمنح الطفل حركة وفرحاً يتحول في الذاكرة إلى علامة على الموت. وكأن الزمن لا يكتفي بأن يأخذ منا الأشياء، بل يعيد تشكيل معانيها أيضاً. ومن هذه المرجوحة يبدأ الفقد في الاتساع. فالرواية لا تقدمه باعتباره فقداً واحداً يمكن تجاوزه، وإنما تكشفه بوصفه طبقات تتراكم داخل الذات. يبدأ من الأم، ثم يمتد إلى الصديق، ثم يتسع ليصل إلى الوطن، حتى يصبح الغياب جزءاً من الوعي نفسه. في حضور الأم، يعود الإنسان إلى بدايته الأولى. فاللغة التي ارتبطت بالوالدين، والحضن الذي يتسع للدموع، والبيت الذي يضم الأسرة، ليست مجرد تفاصيل عاطفية، بل هي العناصر التي يتكون منها الإحساس الأول بالأمان. لذلك فإن فقد الأم لا يعني فقد شخص عزيز فقط، وإنما يعني اهتزاز المكان الأول الذي عرف فيه الإنسان معنى الطمأنينة. وحين تقول الرواية: "أمي سرعان ما تحضنني وتجهش بالبكاء، دموعي تسقط كحبات المطر، إخوتي يستيقظون. أنا منهار" فإنها لا تحتاج إلى كثير من التفسير؛ لأن الانهيار هنا يتجاوز الحزن المباشر إلى لحظة يشعر فيها الإنسان بأن شيئاً من جذره الداخلي قد انكسر. الأم تصبح ذاكرة حية، وغيابها يجعل الماضي أقل قدرة على الاحتمال. ثم يأتي فقد الصديق ليأخذ الذاكرة إلى مساحة أخرى. فالصديق في الرواية ليس فرداً منفصلاً عن زمنه، وإنما شاهد على الطفولة والرفقة والدراسة والأحلام الأولى. ولهذا حين يبحث الراوي عن رفاقه، لا يبحث عن الأشخاص وحدهم، وإنما يبحث عن الأشياء التي كانت تمنحهم حضوراً: "أين رفاق دربي، أين اسمي المحفور على مقعدي الدراسي، أين قلمي، أين إشعاري، أين محبرتي، أين أحمد، أين صالح يا صديقي؟" إن تتابع هذه الأسئلة يكشف أن الفقد حين يدخل الذاكرة لا يأخذ شخصاً واحداً فقط؛ إنه يسحب معه عالماً كاملاً. فالمقعد يستدعي المدرسة، والقلم يستدعي الكتابة، والصديق يستدعي الطريق، والطريق يستدعي زمناً لم يعد قائماً إلا في الذاكرة. ولذلك يصبح البحث عن الصديق بحثاً عن الذات التي كانت موجودة معه. أما حين يصل الفقد إلى الوطن، فإنه يتجاوز حدود الأشخاص والأشياء إلى فقد عالم كامل. القهر، والانتظار، والمشي على جمر الأسى، والمنفى الذي يصبح "آخر ليل لا يعرف الدمع"، كلها ليست مجرد حالات عابرة، وإنما علامات على فقد لا يجد له الإنسان مكاناً محدداً كي يدفنه. فالوطن هنا لا يظهر بوصفه فكرة مجردة، بل بوصفه تفاصيل صغيرة: الرفاق، اللغة، الطفولة، البيت، الطرق، والأسماء. وحين تضيع هذه التفاصيل، يشعر الإنسان أنه فقد جزءاً من تعريفه لنفسه. ومن هنا يصبح تشظّي الذاكرة أحد أهم مفاتيح قراءة الرواية. فالذاكرة لا تستعيد الماضي بصورة مستقيمة ومنظمة، وإنما تتحرك بين صور متقطعة. تقول الرواية: "حيث تعود تأخذنا إلى تلك الأيام، أقع في وهم مستدام من أوهام الطفولة" وليس الوهم هنا بالضرورة نقيض الحقيقة؛ فقد يكون هو الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان أن يقترب من ماضٍ لم يعد ممكناً استعادته كما كان. وهنا تكتسب فكرة "بول ريكور" حول الذاكرة والهوية أهميتها؛ فالذاكرة ليست مجرد خزان يحتفظ بالأحداث، وإنما تدخل في إعادة بناء الحكاية التي يصوغ الإنسان من خلالها صورته عن نفسه. وهذا ما يحدث في الرواية؛ فالراوي لا يستعيد الماضي كما كان، وإنما يعيد بناءه من موقعه الراهن. ولذلك تبدو الذاكرة في "مراجيح الموتى" هشة ومتشظية؛ كلما حاولت أن تستعيد صورة كاملة، ظهرت لها شظية أخرى تناقضها أو تكملها. وتتأكد هذه الحالة في العبارة: "أصاب باليقظة فيعلقني الحلم... فتركلني غاياتي" فالحلم واليقظة لا يقفان هنا على طرفي نقيض؛ إنهما يتداخلان، ويتبادلان الأدوار. الماضي يعود في الحلم، ثم تصطدم صورته باليقظة، فيكتشف الإنسان أن المسافة بين ما كان وما أصبح عليه أكبر مما يتصور. ولهذا تبدو الذاكرة مثل زجاج مكسور؛ كل قطعة تعكس جزءاً من الصورة، لكن لا واحدة منها تستطيع أن تمنحنا الصورة كاملة. إنها تحفظ الماضي، لكنها في الوقت نفسه تعيد تشكيله. ولعل هذا ما يجعل الفقد في الرواية ليس مجرد نتيجة لما حدث، بل قوة تعيد ترتيب الذاكرة ذاتها. وعندما يقول الكاتب في الرواية: "قائمة الحب أو الظلم في قائمة أخرى لقوانين العدل"، فإنها تكشف مفارقة أخرى؛ فالذاكرة تريد أن تعثر على معنى عادل لما حدث، لكنها لا تجد دائماً إلا ما يربك هذا المعنى. تريد الحب، فتجد الفقد؛ تبحث عن العدل، فتواجه الظلم. وهنا يتحول الماضي إلى سؤال أكثر منه جواباً. ومن هذا السؤال ينفتح النص على البعد الوجودي للموت. فحين يتحدث "هيدغر" عن الإنسان بوصفه كائناً يتجه نحو الموت، فإن الموت يصبح جزءاً من وعي الإنسان بوجوده. لكن الرواية تضيف إلى هذا المعنى طبقة أخرى: الإنسان لا ينتظر الموت وحده، وإنما يعيش سلسلة من الفقد قبل الوصول إليه. إنه يفقد الأشخاص والأماكن والأحلام، وكل فقد يعلمه شيئاً عن هشاشة وجوده. ولذلك يصبح الانتظار في الرواية حالة وجودية. فالوقوف الطويل الذي يشبه ليلاً حالكاً ممتد الأفق ليس انتظاراً لحدث محدد فحسب، وإنما صورة لإنسان ينتظر شيئاً يعرف في داخله أنه قد لا يعود. ومع ذلك يظل واقفاً. وربما تكون المفارقة هنا أن الانتظار نفسه يتحول إلى شكل من أشكال الحياة؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يتوقف عن الانتظار حتى عندما يعرف أن المنتظر قد لا يأتي. ومن هنا يمكن فهم العبارة: "الحياة خادعة جداً يا صديقي وخادعة عن الآمال" فالحياة لا تمنح الإنسان وعداً بالاكتمال، وإنما تضعه باستمرار أمام احتمالات الفقد. لكنها، في الوقت نفسه، لا تتوقف عن دفعه إلى الأمام. ولعل وعي الإنسان بهذا التناقض هو الذي يجعله أكثر تعلقاً بما تبقى. وهنا يأتي السرد بوصفه محاولة لمقاومة الاندثار. فالرواية لا تتحرك بين الطفولة والجامعة، وبين القرية والمدينة، وبين الماضي والحاضر، من أجل استعراض تقنية سردية فحسب، وإنما لأنها تعكس حركة الذاكرة ذاتها. إن السارد يعود إلى الماضي لأنه لا يستطيع أن يتركه خلفه، ويستدعي الغائب لأنه لم يستطع أن يقبل غيابه كاملاً. والكتابة في هذا السياق لا تعيد الموتى، لكنها تمنحهم شكلاً آخر من الحضور. إنها لا تشفي الجرح بالضرورة، لكنها تجعله قابلاً للتأمل. وما لا يستطيع الإنسان الاحتفاظ به في الواقع، يستطيع أحياناً أن يحفظ أثره في اللغة. ولذلك تبدو الكتابة في "مراجيح الموتى" أقرب إلى شهادة على الفقد منها إلى محاولة لمحو آثاره. ومن هنا تصبح عبارة "رسالة عنوانها ابتسم من أجل الحياة" ذات دلالة خاصة. فالابتسامة لا تبدو إنكاراً للموت أو دعوة إلى نسيان الذين رحلوا، وإنما اعترافاً بأن الحياة، رغم كل ما أخذته، ما زالت تستحق أن تُعاش. إنها ابتسامة لا تأتي بعد انتهاء الألم، بل في قلبه؛ ولهذا تبدو أكثر صدقاً. في النهاية، تبقى المرجوحة معلقة بين السماء والأرض، بين الطفولة والموت، بين الذاكرة والنسيان. لا تستقر، لكنها لا تسقط. وربما تكمن دلالة الرواية كلها في هذه الحركة المستمرة؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعود إلى الماضي، ولا يستطيع أن يقطع صلته به. يظل معلقاً بين ما فقده وما بقي منه، بين موتى غابوا بأجسادهم وظلوا حاضرين في ذاكرته، وبين حياة تحاول أن تستمر رغم كل ما فقدته. إن "مراجيح الموتى" ليست رواية عن الموت وحده، بل عن الحياة وهي تحاول أن تجد معنى لاستمرارها بعد أن يمر الموت من خلالها. وهي ليست رواية عن الذاكرة بوصفها مستودعاً للماضي، وإنما عن الذاكرة وهي تعيد تشكيل الإنسان كلما حاول أن يتذكر. أما الفقد فلا يبدو فيها خاتمة، بل بداية لوعي جديد؛ وعي بأن ما نحب لا يختفي تماماً حين يغيب، وأن ما يؤلمنا قد يتحول، عبر السرد، إلى أثر قابل للبقاء. ولعل المرجوحة هي الصورة الأصدق لكل ذلك: تتحرك دون أن تصل، ترتفع دون أن تستقر، وتهبط دون أن تسقط. وربما كان الإنسان كذلك؛ لا يعيش في الماضي تماماً، ولا يستطيع أن ينفصل عنه، ولا يعرف أين تنتهي ذاكرته وأين تبدأ حكايته. وحين ننتهي من الرواية، قد لا يبقى السؤال: من هم الموتى الذين تتحدث عنهم؟ بل سؤال آخر أكثر إرباكا :هل كانت المرجوحة تحمل الموتى فعلاً، أم أنها كانت تحمل الأحياء الذين لم يتعلموا بعد كيف يتوقفون عن التأرجح بين ما فقدوه وما تبقى لهم من الحياة؟
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نص نثري: لحظةُ الستار
-
الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا
...
-
ملاذُ الخوف
-
قصة قصيرة: السلب
-
نص نثري: من أنا؟
-
نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
-
قصة قصيرة: التماهي
-
قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
-
على الضفة الأخرى من الغياب
-
لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة
...
-
نص نثري: التيه
-
محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ
...
-
صوتٌ قادمٌ من بعيد
-
بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش
...
-
نص نثري: ما تبقى منه
-
قصة قصيرة: المشورة
-
نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
-
بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت
...
-
بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت
...
-
المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور.
...
المزيد.....
-
-عودة الغايب- بعد 14 عاما... فضل شاكر على خشبة المسرح مجددا
...
-
أزمة اعتذارات وانسحابات تعصف بأشهر مهرجان للموسيقى العربية
...
-
المخرج الإيراني أصغر فرهادي ينتقد هوليوود: -من طلب منكم أن ت
...
-
الفنانة منى واصف تكشف جانبا من حكاية والدتها خلال تكريمها في
...
-
مليون بحث عربي.. تقرير «آرسيف» 2026 يكشف خريطة النشر الأكادي
...
-
بعد عرضه في برلين.. -خروج آمن- ينافس في مهرجان الجونة السينم
...
-
دار عم الطيب.. منزل يخفي خلف واجهته عالما من الفن
-
السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية
...
-
RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
-
تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|