أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: المشورة














المزيد.....

قصة قصيرة: المشورة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 01:26
المحور: الادب والفن
    


يخرج من بيته مع أول ارتعاشة للفجر، حين يكون الضوء ما يزال متردداً بين الظهور والانطفاء، وكأن النهار نفسه لم يحسم أمره بعد. ربيعٌ رطب ينهض على استحياء، وندى كثيف يكسو الأعشاب على جانبي الممر الترابي الضيق الذي يتلوّى نحو ضفة النهر القريب من مسكنه، كأنه طريق لا يقود إلى مكان بقدر ما يقود إلى سؤال.
كانت قطرات الماء تتسلل إلى أسفل ثيابه، وتتشبث بقدميه كلما لامست أوراق العشب، لكنه لم يكن معنيّاً بذلك. فثمة ما هو أثقل من البلل، وأعمق من الإحساس الجسدي؛ ثقلٌ لا يُقاس بالماء بل بما يتراكم في الداخل حين يعجز الإنسان عن البوح. كان يمشي وكأنه يحمل رأساً ممتلئاً بأسئلة لا تجد منفذاً إلى الخارج، وأسواراً من الصمت تحاصر ما لا يُقال، حين تصبح بعض القضايا أكبر من أن تُستشار، وأصغر من أن تُحتمل وحدها.
تبدو المشكلة عليه كأنها تسللت إلى ملامحه قبل أن تستقر في تفكيره؛ وجهٌ شاخ على نحو مفاجئ، لا يتناسب مع زمنه، وكأن السنوات اندفعت دفعة واحدة لترسم على جلده خريطة من أخاديد دقيقة، غير منتظمة، تشبه تشققات أرض عطشى لم تعرف المطر إلا متأخراً. كان وجهه لا يخفي شيئاً، بل يفضح كل ما يحاول إسكاته.
يسير بمحاذاة النهر. الماء المتدفق، بصخبه المعتاد في هذا الفصل، لا يبدو منفصلاً عن اضطرابه الداخلي؛ كأن النهر يترجم ما لا يستطيع قوله، وكأن جريان الخارج ليس إلا صدى لانكسار الداخل. تتداخل الأصوات في رأسه، وتتحرك الأحشاء كأنها تستجيب لجدل غير مرئي، فيشعر بضيق يتسلل إلى صدره حتى يكاد التنفس يتحول إلى فعل واعٍ يحتاج إلى جهد.
يحاول أن يبدل حاله بالحركة؛ يرفع ذراعيه إلى الأمام، ثم يدفعهما جانباً في نصف دوائر متكررة، كأنه يحاول تفكيك عقدة داخلية بالحركة الجسدية، أو إقناع الجسد بأن ما في الروح يمكن طرده بالإشارة. لكن شيئاً لا يتغير. الداخل يظل كما هو: مغلقاً، متراكماً، عنيداً.
يتوقف فجأة.
على الضفة الأخرى، يلمح حركة خفيفة. يركز النظر، يتبين مع الوقت هيئة بشرية تجلس قرب الماء. رجل غريب، أو هكذا يبدو. يثبّت نظره أكثر، وكأن الغربة شرطٌ ضروري لولادة فكرة لا يجرؤ على التفكير بها في مكان مألوف. هناك، في هذا الفجر الخالي من الشهود، تولد في ذهنه رغبة غامضة: أن يفرغ جزءاً من هذا الحمل، ولو بسؤال يُلقى في الماء، أو اعتراف يُقال لظلّ عابر.
يتردد ثم يقول:
- كيف لي أن أحدثك في أمرٍ سلب مني كل طاقتي؟
يرد الآخر دون تردد، كأن السؤال كان ينتظره منذ زمن:
- قل ما شئت، ولا تبالِ.
يصمت لحظة، ثم يعيد صياغة ألمه في صورة أبسط، أكثر قسوة، وأكثر صدقاً:
- إن كان لديك إصبع فيه ألم شديد، ولا يُرجى له شفاء، فماذا تفعل؟
يأتي الجواب فوراً، ببرود يشبه وضوح اليقين حين يتجرد من العاطفة:
- أقطعه.
يتردد الصدى في داخله أكثر مما يتردد في الهواء. جملة واحدة، لكنها كافية لتوقظ في داخله ارتياحاً غامضاً، كأن الفكرة التي كانت تتجنب الاعتراف بنفسها وجدت أخيراً لغة.
لكن هذا الارتياح لم يكتمل. إذ سرعان ما بدأ شعور آخر يتسلل إليه: ضرورة المغادرة، كأن هذا الفجر نفسه صار شاهداً خطيراً. يلتفت حوله بقلق، يتخيل أن الفلاحين قد بدأوا بالخروج إلى حقولهم، وأن الكلمات التي قيلت لم تعد ملكه وحده، بل صارت معلقة في الهواء، قابلة لأن تُلتقط من أي عابر.
يمشي مسرعاً، لا لأن الطريق تغير، بل لأن داخله لم يعد يحتمل البقاء. ومع كل خطوة، كان الفضول يتسع، والسر يتضخم، وكأن الجواب الذي سمعه لم يُغلق السؤال، بل فتح أبواباً أخرى في أعماق النفس، تقوده نحو صناديقها المقفلة… حيث تُحفظ الأسئلة التي لا تُسأل، والقرارات التي لا تعلن، والأصابع التي قد لا تبقى كما هي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل


المزيد.....




- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...
- معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا ...
- الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا ...
- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: المشورة