أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: الظل














المزيد.....

نص نثري: الظل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 02:42
المحور: الادب والفن
    


حين التحقتُ بالمدرسة، علّموني أن أقول الحقيقة، وأن أتبعها مهما كان الطريق إليها شائكاً، وعلّموني أن للوطن حدوداً محرّمة، لا تُمسّ، ولا تخضع للمساومة، وأن شرف الوطن أرفع من كل شعارات القبيلة، وأبقى من نزوات العابرين.
كنتُ أصدّق ما يُقال، لأنني لم أكن أعرف أن للكلمات وجوهاً أخرى، وأن الحقيقة قد تُدفع أحياناً إلى الزاوية، ثم يُطلب منها أن تصمت.
لكن الصدفة الغبية، أو لعلها كانت أكثر ذكاءً مما ظننت، قادتني إلى اكتشاف لم أكن مستعداً له؛ اكتشفت أن الوجوه لا تكتفي بوجه واحد، وأن بعض الوجوه خزائن لأقنعة كثيرة، تتبدل كلما تبدلت الريح.
ومنذ ذلك الحين، أخذتُ أشعر أنني أعيش في خواء يشبه الخدر؛ أمدُّ يدي إلى الأشياء فلا أجدها، وأنظر إلى الحقيقة فلا أعرف إن كانت تقف أمامي أم أنها مجرد ظلٍّ أتعبني الركض خلفه.
حتى الحوار صار باباً مغلقاً. كلما حاولت أن أسأل، اصطدمتُ بجدار. وكلما حاولت أن أشرح، اكتشفت أن الكلام قد يتحول إلى تهمة، وأن الصمت، في بعض الأمكنة، أكثر أماناً من الحقيقة.
ربما كنتُ في عمقها دون أن أدرك، وربما كانت الحقيقة قد غاصت في داخلي حتى أصبحت جزءاً من وجعي، لا شيئاً يمكنني الإمساك به أو الدفاع عنه.
وحين أصبحتُ عبرةً لمن يعتبر، قلت في سرّي: لعلني كنتُ قد قلت الحقيقة فعلاً. لكن أي حقيقة تلك التي تجعل صاحبها عبرة؟ وأي حقيقة تحتاج إلى أن يُعاقب حاملها كي يُصدَّق بعدها؟
لم أعد أميز. صار قلبي صغيراً في حجمه، كبيراً في احتماله، فاختار الانزواء خلف أبواب موصدة. لم يعد يريد أن يرى الوجوه، ولا أن يسأل عن الأقنعة التي تخفيها، ولا أن يفتش في العيون عن وطنٍ ضاع بين الكلمات.
تركتُ دموعي تنساب ببطء على عمرٍ مضى، عمرٍ كان يظن أن الصدق أرقى ما يمكن أن يحمله الإنسان، وأن قول الحقيقة نجاة، وأن الوطن حقيقة لا تحتاج إلى قناع.
ثم اكتشفت أن للحقيقة صوتاً صامتاً. صوتاً يكاد لا يُسمع، لكنه يظل يحفر في الداخل، كقطرة ماء لا تتعب من طرق الحجر.
وتذكرتُ يوماً كلباً نبح على ظلّه، لم يكن يعرف ما الذي أمامه، لكنه نبح. فما لبثت الكلاب الأخرى أن التقطت النباح، وراحت تنبح هي الأخرى، حتى صار الظل في عيون الجميع حقيقة، وصار الصمت في عيونهم شكاً.
عندها فهمت شيئاً أخافني: ليس أخطر ما في الوهم أن يختلق حقيقةً كاذبة، بل أن يجد من يكررها حتى يصبح الكذب ذاكرةً جماعية.
جلستُ خلف بابي الموصَد، أنصت إلى النباح القادم من بعيد. لم أفتح الباب، ولم أعد أبحث عن صاحب الظل. فقد أدركت أنني إن خرجتُ لأشير إليه، ربما أصبح ظلّي أنا هو التهمة. فاكتفيتُ بأن أضع يدي على قلبي، وأصغي إلى ذلك الصوت الخافت الذي لم يسمعه أحد.
كان يقول: لا تخف من الحقيقة لأنها تؤلمك؛ خف من اليوم الذي تعتاد فيه الكذب حتى لا تعود تعرف أنك تكذب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود


المزيد.....




- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...
- تكريم الفنانة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية في أب ...
- -الأمانة رجعت لصحابها-.. أصالة تستعيد آلة عود خاصة بوالدها ا ...
- الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
- بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة ...
- نتنياهو يهدد بسحب الجنسية وفرض غرامات على صانعي الأفلام وسط ...
- روسيا.. مسابقة -صور العالم- تجمع الفنانين الشباب من مختلف ال ...
- حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: الظل