أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - مهلاً أيها الصرح














المزيد.....

مهلاً أيها الصرح


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 09:34
المحور: الادب والفن
    


حين تمرُّ الأنامل على حبر الكلمات، وتتسلّل بين السطور، يعتريني شرودٌ يشبه الحنين، فأضيع بين ما كان حقيقةً وما اكتفى بأن يكون طيفاً عابراً، يطوف حول الذاكرة ثم يتوارى.
أحدّق طويلاً، فتهتزّ العيون ذهولاً، وترتجف الروح خوفاً ووجلاً، كأن شيئاً ما في داخلي يخشى أن يستيقظ، أو أن يكتشف أن الذين كانوا هنا لم يعودوا هنا، وأن الأمكنة التي حفظت خطانا لم تعد تحفظ أسماءنا.
مهلاً أيها الصرح...
كن كما نتمنى، أو كما توقنا أن تكون.
لا تغيّر ملامحك، لا تبدّل حجارتك، لا تدع الزمن يمحو آثار الأيدي التي مرّت بك، ولا تسمح للغياب أن ينتصر على ما تركناه في جدرانك من أصوات وضحكات ودموع.
أحاول أن أبدّد ما أنا فيه، أن أفتح نافذةً في هذا العتم، وأن أستدعي من الذاكرة شيئاً يشبه الفرح؛ لكن حروفي تصمت في ذهول، وتتلعثم الكلمات على حافة الورق، ثم تتلوّن بلون الحزن، كأنها تعرف قبلي أن بعض الأشياء لا تعود، مهما أكثرنا من استدعائها.
أأصبر النفس وأكتفي بالدعاء؟
أم أتسوّل من الدمع قطرةً واحدة، لعلها تطفئ لواعج ذلك الشبح الذي يسمّى الفقد؟
أم أرسم تيه قلبي على جدار الصمت، وأترك للوقت مهمة قراءته، كلما داهمتني آفة النسيان؟
أخشى النسيان أكثر مما أخشى الغياب؛ فالغياب يترك لنا أثراً نتعلّق به، أما النسيان فيأتي خفيفاً، بلا ضجيج، ويسرق منا الوجوه والأصوات والروائح والأماكن، حتى نصبح غرباء عن الأشياء التي صنعتنا ذات يوم.
أيها الصرح...
كم من الذين مرّوا بك صاروا الآن حكايات؟
وكم من الأصوات التي ارتطمت بجدرانك نامت إلى الأبد؟
وكم من يدٍ امتدت إلى يدٍ أخرى، ثم فرّق بينهما الزمن دون أن يمنحهما فرصة الوداع؟
لذلك أرجوك...
لا تكن حجراً فقط.
كن ذاكرةً تقاوم السقوط،
كن شاهداً لا يخون،
كن آخر ما تبقّى لنا من زمنٍ لم نكن نعرف أنه كان جميلاً إلا بعد أن غادرناه.
فأنا لا أطلب منك أن تعيد الماضي؛ أعرف أن الزمن لا يعود، وأن الذين رحلوا لن يطرقوا أبوابك من جديد.
كل ما أريده أن تحفظ لنا ظلالهم، أن تبقي على شيء من دفء حضورهم، وأن تقول لنا، حين تضيق بنا الجهات:
هنا مررتم ذات يوم... وهنا كان لكم قلب.
ثم أصمت...
وأضع كفّي على جدارك، كمن يضع يده على صدر إنسانٍ يخشى أن يكون قد فقد نبضه، وأصغي طويلاً.
لعلّ الصمت في داخلك يعرف ما عجزت حروفي عن قوله، ولعلّ حجراً واحداً من حجارتك ما زال يحمل سرّاً لم تستطع الأيام محوه.
فمهلاً أيها الصرح...
لا تسقط الآن.
دعني أستعيدني قليلاً من بين أنقاض الذاكرة، ودعني أصدّق، ولو للحظة،
أن ما نفقده لا يموت تماماً...
بل يتحوّل إلى طيفٍ يسكننا، كلما مررنا على حبر الكلمات، أو لامست أناملنا سطراً قديماً،
عاد إلينا من جهةٍ لا نعرفها...
ليذكّرنا بأن بعض الغياب،،، ليس سوى حضورٍ مؤجّل في الذاكرة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف


المزيد.....




- المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه ...
- فنانون من أجل وقف إطلاق النار.. تجمع يطالب بإنهاء حرب غزة
- شاهد.. 25 دقيقة من التصفيق الحار لفيلم عن غزة في مهرجان البن ...
- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - مهلاً أيها الصرح