أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: سحرُ الأوهام














المزيد.....

قصة قصيرة: سحرُ الأوهام


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 08:26
المحور: الادب والفن
    


الوقتُ قبل الغروبِ بساعة، لم يكن يعلم بأنه سيكون على موعدٍ مع الخيبةٍ بعد الصدمةِ وقفار الاحتواء، يرقبُ الحركةَ اللامنتهيةَ بدهشةِ الرؤيةِ الأولى، حالةٌ قد تكون مألوفةً ومنسيةً منذ سنين، فيداه تتحركان كأنما بشكلٍّ آلي، وفي أعماقه قوةٌ تدفعه إلى الاستفهام، ينتظرُ أن يمرَ الوقتُ علّه يجدُ إجاباتٍ أو أن تُفتح أمامه أبوابُ النسيان.
تتحركُ الأقدامُ مع وقعِ الموسيقى، فينتابه مزيجٌ من الأحاسيسِ المتناقضة، وشعورٌ أقرب في عدمِ الرغبةِ إلى الاستماع، لم يصلْ إلى حالةِ الكره بعد, الذكرى أخذت تعنفه، كلما حاول الترصد لما يدور، لذا بدأ يحاولُ أن يكون مع وقعِ حركة أقرانه، إلا أنه لم يستطع، لم تزده إلا بعدا وشرودا مع الاقترابِ من الغروب، فقرصُ الشمسِ يبدو محمرا وأكبر من المعتاد، وخيالاتٌ بدأت تراوده، فالشجيراتُ على امتداد نظره في الأرضِ الرمليةِ المتموجةِ تدخلُ في فوهتها مع حركةِ مجموعته.
أصبح كأنما يتعايش مع الوهم في حاضره، يحاول ذلك الوهمُ أن يعيده إلى مدنِ أحلامهِ المألوفةِ كما كانت ترتسم مدنها في وطن الماضي، وعلى خريطةِ الضياعِ يخشى أن يكون موغلا فيها، ينظرُ في الوجوهِ بارتياب، وحالةٌ من اللاوعي بدأت تلازم حركاته, تتأرجحُ ما بين الحضورِ الآني والغيابِ الذي أخذ يطول، يذعن إلى نداءاتِ القلبِ رغم محاولته للانقيادِ لمتطلباتِ الحضور، فذاكرته أخذت تعيد له بدايةَ ملامحٍ ما قد تناساه منذ سنين، ذلك الميلُ إلى الوفاءِ بحماسةٍ ليست لها حدود، بتلكِ البراءةِ والصدقِ والإيثارِ، لتتحول إلى عذاباتِ لومٍ أخذت تؤرقه، لم يكن يبحثُ عن تلك الذكرياتِ كأوراقِ أشعارِ الندمِ بل هي من ارتسمت أمامه وتأبى الرحيل، تتشكلُ بهيةِ صورٍ من ذلك الماضي، شاخصةٌ في واقعه بعد وجودها الخفي، فتنفرج أساريره بعدما لامست دواخله.
مفعما بسعادةٍ غامرةٍ طارئةٍ بعدما اختلط الزمانُ والمكان، أبت مخيلته أن تفارقَ حروفَ اسمه الأربعة، وبدأ يطوفُ في الزوايا المضيئةِ من ذاكرته، يصارعُ بأن لا يعود إلى واقعه، إلا أنه لم يتمكن من التغلبِ على ذلك الواقع والتفلّت منه، لذا بدأ يحاول أن يقنع نفسه في أن يدفعَ بمكامنِ دواخله كي لا تخذله ويبعدَ ذلك الإحساسَ المتكررَ بالتعبِ الذي ترسمه له مخيلته بعدم الجدوى ويستجيب لها الجسد بعدم إمكانية مجاراة أقرانه.
ضائعا في الفراغ ينظرُ إلى الأحذيةِ ذات الحجومِ المختلفةِ وهي تضربُ الأرضَ بذات النسقِ الموحد، ضجيجٌ يدورُ حول فجوةِ الصمتِ وبمسافاتٍ ثابتة، أصواتٌ يبددها الهواء, تتلاهثُ الأنفاسُ وهي تستنشقُ الهواءَ والعرقُ يتصببُ من الجبين، يشعرُ باللاواقعية، يستمرُ الدورانُ بين الهرولةِ والمسيرِ بانتظام (يسار يمين، يس يم) تحت سماءٍ بدأت تتلبدُ بسحبٍ مسافرة، ليجدَ نفسه من دون وعي منه مع مخلفاتِ السنين التي مضت إذ كان يعتقد بأنه قد نساها، وبدأ يضعف شعوره بالواقع شيئا فشيئا من جديد، بعد أن أيقنَ بأنَّ النسيانَ لم يكن إلا ضرباً من الخيال، مصادفةٌ لم تكن تخضعُ للمستحيل، يتبعُ نداءً خفياً يقوده إلى ذلك الماضي، لذا بدا يرى الوجوهَ القريبةَ منه غريبة، كأنما هو غير معني بما يدور، ثم أخذت تتشكلُ بتتابعٍ زمنيٍ قصيرٍ لتظهرَ صورةٌ لأحدِ الأشخاصِ الذين كان يعرفهم في مرحلةِ الدراسة الابتدائية، ثم الآخر والآخر، إلى أن تلاشى وجوده في حاضرِه تماما.
تتراءى له صورته بعدما زاد دفقُ الأفكارِ في ذهنه، ولدٌ صغيرٌ بشعرٍ مجعد، يرتدي تلك الملابسَ التي ارتبط بها لسنينٍ خلت بعدما أصبحت الرفيقُ الأوفى عند كلِّ صباح، يعرفُ أنها لن تتغير وعليه المحافظة عليها، شأنه شأن الغالبية من أبناءِ قريته ذات البيوتِ الطينيةِ المتناثرةِ في وسطِ المزارعِ الواسعة.
يدور ويدور، يفقدُ الإحساسَ بالألم، ويفقدُ ذلك الشعورَ بالنقصِ في تلك الملابسِ الرثةِ التي يرتديها، وأخذت تتشكل مدرسته الابتدائية من وسطِ الأطلالِ المهدمة, يخترقه صوتُ اللحنِ فتتجدد روحه مع نشيد لا يعي من كلماتهِ إلا القليل، كأنما ارتبط بهذا العالمِ بتلك النشوةِ التي لم يشعرْ بها من قبل، كلُّ عضوٍ يتجلى مع هذا الإيقاع، تتجاوزُ حدودَ الجغرافية، الأمكنةَ البعيدةَ المقفلةَ المنافذ، تعيده إلى مربعِ الثقةِ المفرطة، لذا بدأ يتوق إلى الأشياءِ كلِّها التي اختزلت من سنينِ الزمنِ الجامدِ " قف"" إلى الوراء در" صدمةُ الواقعُ تشعره بالضياع.
يكتسحه الحزنُ العميق، إذ كان يعتقدُ إن لم يجدْ ذاته فسينسلخ في الهذيان، فلقد حضرت صورُ أعوامِ العوزِ التي لم يتمكنْ من أن يخرجَها من دمائِه رغم تفوقه الدراسي، يتمنى ألا يعود إلى واقعهِ كي لا يكررَ الهربَ بعيدا عن الأحلامِ الخاسرة، وإذا به يبحثُ عن مهرب، عن ملاذٍ آمن، يستجيرُ بالسارية، يتلمسها بعدما استيقظ من أحلام يقظته، تناله الضربات، يزدادُ وقعها مع الوقت، ويزدادُ الشعورُ معها بالألم، يطيلُ النظر إلى الأعلى والضرباتُ ما زالت تتكرر، يجدها مخلوقاً صنعته المخيلة، لذا أخذ يصرخُ بنفسٍ ساخطةٍ على سنينٍ مرت وهو هائمٌ في سِحرِ الأوهام.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش


المزيد.....




- ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا ...
- طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش ...
- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...
- من -غوستيني دفور-.. موسكو تحتضن الدورة الـ 39 من معرض الكتاب ...
- مشاركة قطرية لافتة في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي للكت ...
- في مشهد يبرز ملامحها الثقافية.. السعودية في معرض موسكو الدول ...
- الثقافة العُمانية تتألق في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: سحرُ الأوهام