أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حلم السقوط















المزيد.....

قصة قصيرة: حلم السقوط


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 11:00
المحور: الادب والفن
    


كانت ساعات النهار تمرّ بطيئةً، كأن الشمس قد تعلّقت في منتصف السماء ولم تعد تعرف طريق حركتها. يجلس آمر سرية المقر قرب النافذة، لا يفعل شيئاً سوى استعادة ما مضى. كانت الذكريات، في مثل تلك الأيام الطويلة، وسيلته الوحيدة لقتل الوقت؛ يفتح باباً في الذاكرة ثم يغلقه، ويفتح آخر، حتى تختلط الوجوه بالأمكنة، والأصوات بما تبقى من صمت.
لكن ذكرى واحدة لم تكن تخص الماضي، كانت تخص ما حدث في ليلة الأمس. حاول أن يتجاهلها، لكنها ظلت تعود إليه كلما أغمض عينيه. كان قد رأى نفسه في المنام واقفاً فوق مكان مرتفع. لم يعرف كيف وصل إليه، ولا من الذي تركه هناك، ولا حتى مكانه. كان وحيداً، تحيط به مساحة واسعة من الفراغ، حتى بدا الصمت أثقل من الهواء.
حاول أن يتراجع خطوة، فانزلقت الأرض من تحت قدميه. ظل يهوي، لم يكن يرى شيئاً في الأسفل، ولم يعرف إن كان سقوطه سينتهي بالأرض أم أنه سيظل معلّقاً في ذلك الفراغ إلى الأبد.
وحين أفاق، كان يلهث. جلس في الظلام، وقلبه يضرب أضلاعه بعنف، ووضع كفه على صدره وهمس:
- عسى أن يكون مجرد حلم.
لكنه لم يقتنع. في الخارج، كانت الأيام تمرّ كما تمرّ الأشياء التي لا تعرف إلى أين تذهب؛ وجوه متشابهة، انتظار طويل، وأوامر تأتي من أماكن بعيدة ثم تتوزع بين الأقدام. كان قد أدرك أن هذا العالم لا يحتاج دائماً إلى حقيقة كي يصنع خوفاً، ولا إلى ذنب كي يبحث عن مذنب.
بعد يومين بالتمام، دخل عليه أحد الجنود، تردد قليلاً قبل أن يقول:
- سيدي... هناك أمر.
رفع رأسه.
- ماذا هناك؟
اقترب الرجل، وخفض صوته:
- الآمر الرائد شعيب يريد... ثم بدأ يحرك سبابتيه قرب مقدمة رأسه.
ظل ينظر إليه.
- أيطلب خروفاً؟
- نعم... من القرى القريبة.
لم يسأل عن السبب، إذ كان يعلم أن الرائد شعيب قد اقترب موعد إجازته الدورية، فلا بد أن يحمل شيئاً معه. وفي مثل تلك الأماكن لم تكن الأوامر تحتاج دائماً إلى تفسير، أحياناً يكفي أن تصدر كي تصبح واجبة التنفيذ.
لكن شيئاً غريباً مرّ في ذهنه، تذكر حلمه: تذكر الارتفاع والفراغ والسقوط. ثم ضحك في سرّه؛ أي علاقة يمكن أن تجمع بين رجل يسقط في حلم، وخروف يُطلب من قرية قريبة؟ لا بد أن يكون شيء من الهذيان.
بعد وقت قصير، ساعة أو ساعتين على أكثر تقدير، وصلت عجلة الواجب مسرعة إلى مقر الفوج. بدأت الحركة تتكاثر حولها: جنود يقتربون، وآخرون يبتعدون، وعيون تتجنب النظر طويلاً في وجه أحد.
وقف عند الباب، قال لنفسه:
- لا بد أن حدثاً لا يسر قد وقع.
لم يكن أحد يعرف الحقيقة كاملة، أو ربما كان كل واحد يعرف جزءاً منها. كانت الحقيقة تنتقل بينهم همساً، وكلما انتقلت من شخص إلى آخر فقدت شيئاً من ملامحها، بعد قليل عاد الرجل نفسه إلى آمر السرية، وقال له:
- حدث أمر أثناء الواجب.
سأله سريعاً:
- من أصيب؟
رفع الرجل رأسه بدهشة.
- كيف عرفت؟
لم يجبه.
في مكان ما في الطريق إلى قطيع المواشي، كان جندي قد سقط، إذ خرجت طلقة واحدة من فوهة سلاح ممن خرجوا إلى الواجب.
ثم بدأت الحكاية، بعد ذلك تبحث عن طريق آخر؛ طريق لا يقود إلى الرصاصة وحدها، بل إلى اسم يمكن أن يتوقف عنده كل شيء. إذ تغيرت: في البداية قيل إنها طلقة طائشة، ثم أصبح السؤال عن السلاح، ثم عن مكانه، ثم عن تأمينه، ثم عن المسؤول عنه. وفي كل مرحلة، كانت دائرة السؤال تضيق قليلاً. بعد ساعات، بدأ اسم جديد يظهر في الأحاديث: اسمه.
حاول أن يفهم كيف وصل الأمر إليه، إذ قال للرائد شعيب:
- لكنني آمر سرية المقر، ولم اعطي أمراً.
لم يكن يريد الدفاع عن نفسه بقدر ما كان يريد أن يفهم. كان يريد أن يقول إن ما حدث لم يكن بعلمه، وإن الواجب لم يكن ضمن مسؤوليته، وإن السلاح لم يكن بين يديه، وإنه لم يطلق رصاصة واحدة.
لكن الكلمات، وهي تخرج من فمه، بدت أصغر مما كانت عليه في داخله. إذ شُكّلت لجنة للتحقيق، جاءوا إلى المكان. عاينوا السلاح، والمسافة، والموضع الذي سقط فيه الجندي.
سأله أحد أعضاء اللجنة:
- أنت تعرف التعليمات؟
أجاب:
- نعم.
- وتعرف مسؤولية تأمين السلاح؟
ظل صامتاً.
قال الرجل:
- إذن أنت المسؤول.
نظر إليه طويلاً. كان يعرف أن بعض الكلمات تشبه الأبواب؛ ما إن تدخلها حتى يصعب عليك أن تعثر على الطريق الذي جئت منه. إذ بدأ كل شيء يتغير بسرعة، ثم أخذ يعيد شريط الأحداث: في البداية كانت طلقة طائشة، ثم أصبح هناك سلاح، ثم صار السؤال عن تأمين السلاح، ثم عن التقصير. وفي النهاية، لم يبقَ من الحكاية كلها سوى اسمي.
وصل إليه محضر التحقيق، قرأه ببطء. لم يكن فيه ذلك الحلم الذي كان يشغله، ولا الارتفاع الذي وقف عليه في تلك الليلة، ولم يكن فيه كذلك الرائد شعيب الذي كان يريد خروفاً، ولا الطريق الذي خرجت فيه المجموعة، ولا القطيع الذي أُخذ منه الخروف، ولا حتى الحقيقة كما عرفها الجميع في بدايتها؛ كان فيه فقط اسمه.
وقف في نهاية السطور، كأنه كان ينتظر هناك منذ البداية. لذا رفع الورقة أمام الضوء، قرأها مرة أخرى. ثم وضعها على الطاولة، وفي تلك اللحظة عاد إليه حلمه كاملاً: رأى نفسه فوق ذلك المكان المرتفع، رأى الأرض وهي تنسحب من تحت قدميه. ثم أدرك، للمرة الأولى، أن السقوط لم يبدأ عندما وقع الحادث، لقد بدأ قبل ذلك بكثير. ربما منذ اللحظة التي كان فيها الجميع يبحثون عن شخص يحمل الذنب.
أمسك القلم، ظل متردداً. وفي الخارج كانت الشمس تميل نحو الغروب، وعلى الطريق البعيد كانت سيارة مكشوفة تبتعد عن المكان وهي تحمل الخروف.
لم يكن في القطيع ذلك الخروف الذي كان فيه صباحاً. أُخذ بعيداً، لأنه كان المطلوب. لذا نظر إلى الورقة مرة أخرى، ثم وقّع.
في تلك اللحظة أحس أن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه، رفع رأسه نحو النافذة، كانت الشمس تغيب ببطء. وفي مكان ما، كان القطيع يعود إلى القرية ناقصاً رأساً واحداً. أما هو، فبقي واقفاً عند حافة شيء لا يعرف اسمه، ينتظر أن يفهم:
هل كان ذلك الحلم نذيراً بالسقوط؟ أم أن الإنسان لا يعرف أنه كان يسقط، إلا بعد أن يبحث الجميع حوله عن أرضٍ لا يستطيع الوقوف عليها؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...


المزيد.....




- بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان ...
- -على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف ...
- 200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط ...
- نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حلم السقوط