أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في قصيدة إذا الشعب للدكتور غزوان الوردي (الجزء الأول)















المزيد.....

متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في قصيدة إذا الشعب للدكتور غزوان الوردي (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 01:09
المحور: الادب والفن
    


يقول الفيلسوف الألماني "نيتشه"، في معرض حديثه عن الوجود الإنساني:
"الإنسان معلّق بين المعنى واللا معنى"
ولعل هذه العبارة تلخّص، بإيجاز مزلزل، حال الأمة العربية اليوم؛ فهي معلّقة بين همّ ثقيل يثقل ظهورها، وطموح مشرق يلوح في الأفق، لكنه يظل بعيداً عن متناول اليد. همُّ الأمة ليس في جوع بطونها بقدر ما هو في عطش روحها، ومع ذلك فإن كل أمة تحلم؛ منها من يحلم بالسيادة، ومنها من يتطلع إلى النهضة، ومنها من يبحث عن الخلاص. غير أن أمة عربية تنزف نفطاً ودماً، وتصلي المآذن في مقلتيها، وتتوسد التاريخ وسادة واهية، ثم تسأل:
"متى يستجيب القدر؟"
إنها أمة تبحث عن نفسها في مرايا المدن المكسّرة، وفي ذلك يقترب المشهد من قول الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر":
"الإنسان ليس ما هو عليه، بل ما يصنع نفسه ليكون"
وهنا يكمن جوهر المأساة: أننا لم نصنع أنفسنا بعد. أبناء هذه الأمة يطمحون، كما يطمح غيرهم، إلى وطن تشتهيه العيون، وإلى كرامة لا تُستجدى، وإلى حياة لا تُضَيَّع بالنوم. غير أن الطموح وحده لا يكفي إذا كان الجلاد يُعبد، والقيود تُحب، والماضي يُقدَّس من غير أن يُقرأ قراءة ناقدة، لا قراءة مولعة.
وهنا يتداعى إلى الذهن قول "ابن خلدون" في مقدمته:
"العمران له بدو وحضر، وكلاهما يمر بمراحل النشوء والانحطاط"
وكأن الأمة العربية اليوم تقف في مرحلة انحطاطها، لكنها لا تعترف بذلك، بل تلوذ بالماضي كما يلوذ طفل خائف بما يعرفه.
من هنا يأتي دور الشاعر، لا بوصفه منشداً يردد الكلام، وإنما بوصفه من يكشف القناع عن وجه الأمة، ذلك الوجه الذي لم تجرؤ على رؤيته في المرآة.
وغزوان الوردي، في قصيدته، لا يكتب رثاءً، بل يقدم تقريراً تشريحياً عن حالة عربية راهنة. يخلع الألقاب عن المدن، ويكشف الوهن الوجودي، ويطرح سؤالاً لا يملك الإجابة عنه إلا الزمن أو الضمير. وكما قال الشاعر الفلسطيني "محمود درويش":
"نحن نعيش كي نموت، ونموت كي نعيش"
غير أن الوردي يقلب المعادلة؛ فنحن نموت لأننا نعيش نياماً.
وهكذا نقف أمام سؤالين متلازمين: كيف استطاع الشاعر أن يحوّل الأنا الفردية إلى مرآة للجمع؟ وكيف جعل من القصيدة العمودية، بهذا القالب الشعري العريق، ساحة لمحاكمة التاريخ؟
الإجابة لا تأتي من شرح بلاغي عابر، وإنما من تأمل يتنقل بين الأبيات، ويتوقف عند كل صورة، وينصت إلى كل إيقاع؛ لأن هذه القصيدة ليست نصوصاً متفرقة، بل جسد واحد، تسري روحه في كل بيت، ويتوقف مصيره على الطريقة التي نفهم بها هذا الجسد.
وعليه، يبقى السؤال: هل آن للأمة أن تصحو من نومها؟ وهل يمكن لطموح أبنائها أن يتحقق من دون أن يدفعوا ثمناً كاملاً؟ القصيدة وحدها لا تغيّر الواقع، لكنها تزلزل الأرض تحت أوهامنا، وترفع المرآة أمام وجوهنا، ثم تترك لنا الخيار: أن نواصل النوم، أو أن نجعل القدر يستجيب.
وهنا نبدأ الرحلة مع النص، متسلحين بسؤال فلسفي آخر "لنيتشه":
"من يملك سبباً يعيش من أجله، يستطيع تحمّل أي شيء"
القصيدة تبدأ بعنوان إذا الشعب... ثم ماذا؟
يبدأ الشاعر بعنوان يبدو ناقصاً: إذا الشعب. إنها جملة شرطية مقطوعة، وكأن الشاعر ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه، منتظراً من القارئ أن يكمل ما لم يُكمل. هذا التقطيع المتعمد يحدث زلزالاً في بنية العنوان؛ فهو لا يمنحنا مبتدأً مستقراً، بل يحيلنا إلى شرط معلّق ومستقبل غير مضمون. وهنا نتذكر قول الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر":
"الإنسان كائن في العالم، لكنه كائن نحو الموت"
إن وجودنا، مثل جملة "إذا الشعب" المعلقة، يقف بين لحظة راهنة ومصير مجهول. ثم يأتي السؤال: "أنا من أنا بين هذي الصور؟"
السؤال هنا ليس استفهاماً عابراً عن الهوية، بل هو انفجار وجودي أمام تعدد المرايا. فالصور ليست مشاهد عابرة، وإنما مصائر متداخلة؛ والشاعر لم يعد فرداً منعزلاً، بل أصبح مرآة لأمة بأكملها. وهنا نستذكر قول الفيلسوف المصري "زكي نجيب محمود":
"الإنسان العربي يعيش أزمة هوية لأنه يبحث عن ذاته في غير مكانها"
إنه يبحث عن ذاته بين المدن، لكنه يكتشف أن ذاته ليست واحدة، وإنما متعددة، بعدد المدن التي يحملها في قلبه:
"بكائي رياحٌ وعشقي سفر
مساقط رأسي بكل البلاد
ولي وطنٌ العيون تشتهيه
جميلٌ جميلٌ كوجه القمر"
منذ هذه الأبيات يبدأ الشاعر بتوزيع أعضائه على المدن العربية، وكأنها قربان رمزي. فبكاؤه ليس مجرد دموع، بل رياح تعصف، وعشقه ليس سكوناً، وإنما سفر. وهذا الترحال الدائم ليس اغتراباً اختيارياً، بل مصير فرضته جغرافيا ممزقة.
وكما قال الشاعر "أحمد شوقي:"
"وطني لو شُغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي"
لكن الوردي يقلب الصورة؛ فالوطن عنده ليس مكاناً واحداً، بل المدن كلها، وكأنه يبحث عن وطن لا يتجزأ.
ثم تأتي الصورة: "مساقط رأسي بكل البلاد"
إنها صورة تزلزل القارئ؛ فرأسه يتساقط في كل مكان، كأنه شهيد يُبعث في كل أرض، أو كأنه نبي يُصلب في كل مدينة. وهنا نستذكر قول "ميشيل فوكو":
"ليس المهم من نحن، بل ما يمكننا أن نكون"
فالوردي يستعير الماضي ليصنع به مستقبلاً.
أما وصفه للوطن بأنه "جميل جميل كوجه القمر"، فالجمال هنا ليس جمالاً طبيعياً وحسب، بل جمال وطن مفقود تشتهيه العيون؛ إنه يشتهيه الناس كما يشتهي الظمآن الماء. هو جميل كالقمر، لكن القمر بعيد لا يُمسك؛ جميل لكنه لا يُنال. وهذه المفارقة هي جوهر المأساة: وطن يُحب ولا يُنال.
المدن... حين تتحول الجغرافيا إلى كائن حي..
"شكاني لبغداد فاستغفرت
وأطرى لبيروت عشقاً
لتونس ألقى بكفي وطار
كأني بتونس ظل عطر
وعانقني دفء صنعاء حتى
كأن دموع اليماني مطر"
في هذه المجموعة ينتقل الشاعر من التوزيع الرمزي إلى الحوار العاطفي مع المدن. يشكو إلى بغداد فتستغفر، وكأن هناك مريضاً يحتاج إلى توبة. وبيروت تثير عشقه فيطير إليها، كأنها مدينة الهواء والحرية. وفي تونس يلقي بكفه فتطير، وكأنه يحررها بلمسة، أو كأنها تتحرر بمجرد وجوده فيها. ثم يتحول إلى ظل عطر، أي إلى حضور خفيف شفيف، حضور روح لا حضور جسد.
أما صنعاء فتعانقه حتى يصبح الدفء مطراً، وتصبح دموع اليماني مطراً كذلك. هنا يتحول البكاء من سلبية إلى خصب، ومن ألم إلى حياة. إنها لحظة تتجاوز الجغرافيا؛ فالمدن لم تعد مجرد أماكن، وإنما صارت كائنات حية تتعانق وتتألم وتفرح مع الشاعر. وكما قال الشاعر أبو القاسم الشابي:
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر"
لكن الوردي يقلب السؤال: الشعب نائم، فكيف يستجيب القدر؟
وهنا يظهر التناص الجميل بين القصيدتين؛ وكأن الوردي يرد على الشابي، لا بتكرار المعنى، بل بإعادة صياغة السؤال نفسه.
المآذن والأسوار... انقلاب المقدس.
"تصلي المآذن في مقلتيه
وتسجد في راحتيه السور"
ولا شك أن هذين البيتين يمثلان ذروة التأمل الديني والسياسي في القصيدة. فالمآذن ليست خارجية، وإنما تنمو في عينيه، والأسوار ليست حجارة، بل تنحني في كفه. إنه يقدّس الإنسان العربي، ويجعله فضاءً للعبادة، لكنه يستخدم هذه القداسة ليكشف التناقض: كيف يعبد المقهور جلاده؟ وكيف تصلي المآذن في عينيه بينما هو سجين أسواره؟
الصورة هنا تزلزل التراتيب المقدسة؛ فالمآذن تصلي في الإنسان لا عليه، والأسوار تسجد للإنسان لا ضده. إنه يقلب العلاقة بين المقدس والإنسان، ويجعل الإنسان هو القبلة، لكنه يترك في عمق الصورة سؤالاً موجعاً: لماذا لا تتحرر هذه الأسوار ما دامت تسجد لكفه؟
ثم العراق يصبح الوطن مقياساً للألم...
"عراقٌ مدى الأرض أحزانه
وليس لآلامه مستقر
أعاق الرصاص إباء الأباة
فاسكت عبساً وأبكى مضر
إذا الشعب نوماً أضاع الحياة
فما البد لو يستجيب القدر
وما نفع مليّ صمت أصم
معاق الطموح وأعمى البصر"
بعد أن جاب المدن، يعود الشاعر إلى العراق، وكأنه يعود إلى القلب النازف.
"عراقٌ مدى الأرض أحزانه"
العراق هنا ليس بلداً واحداً، بل مقدار الحزن الممتد على مساحة الأرض. وليس لآلامه مستقر، أي إنها لا تستقر في مكان محدد، وإنما تفيض على كل شيء.
وهنا نستذكر قول "السياب": "أين منك العراق يا وطني؟" غير أن الوردي يضيف إلى صورة الوطن بعداً آخر؛ فالعراق ليس وطناً فحسب، بل مقياس للألم. ثم يصف المأساة السياسية في قوله: "أعاق الرصاص إباء الأباة". فالمدافع والرصاص أعاقا الإباء، والعنف قتل الكرامة. ويختتم بفعل شديد الدلالة: "فاسكت عبساً وأبكى مضر"
عبس ومضر قبيلتان عربيتان؛ إحداهما سكتت واستسلمت، والأخرى بكت وندبت. إنه يوزع الأدوار بين الصمت والبكاء، وكأن كليهما شكل من أشكال الهزيمة.
وهنا نستذكر قول "ألبير كامو":
"الانتحار هو الاعتراف بأن الحياة لا تستحق العناء"
وصمت الأمة وبكاؤها، في هذا السياق، يصبحان نوعين من الانتحار الجماعي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج


المزيد.....




- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في قصيدة إذا الشعب للدكتور غزوان الوردي (الجزء الأول)