أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ممرات الرمال














المزيد.....

قصة قصيرة: ممرات الرمال


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 00:13
المحور: الادب والفن
    


في رقعةٍ من الصحراء لا تحدّها معالم، حيث تنساب الكثبان كأمواجٍ جامدة تحت سماءٍ رماديةٍ قاحلة، كانت المواضع الدفاعية قد اكتملت لتوّها. حُفرت في بطن الأرض كجروحٍ عميقة، ملاجئ من غُطيت بأعمدة إسمنتية، سويت بمستوى الأرض، ثم وضعت فوقها رمال المكان، حتى لا تكشفها عيون الأقمار الصناعية. هناك، حيث الزمن خارج الزمن، كان الانتظار يمارس طقوسه القاسية.
كان الانتظار في تلك البقعة المنسية، أقسى مراحل ما قبل المواجهة، وأشدّها وطأة على الروح. بعد أن أُكملت التحصينات، واستوت الأنفاق، ورُصّت صناديق الذخيرة في زواياها الضيقة، لم يبقَ للجنود والضباط ما يشغل أيديهم بعد أن توقفت أدوات الحفر، التي أصبحت فجأة كأنها أوثان تائهة. إذ كانت كل ضربة فأس، وكل حركة معول، وسيلة لاستهلاك الوقت، لكنها في الوقت ذاته كانت تلتهم ما تبقى من رغيف الأمل القابع في الصدور.
في تلك المرحلة، تصبح الساعات أبطأ من خطى شيخٍ مريض. عقارب الساعة تدور في مكانها، كأنها تدور حول نفسها دون أن تمضي. ترمقها بعينيك، ثم تنطلق بخيالك في حساباتٍ يوميةٍ معلبة: كم تبقى من الماء؟ كم يوماً يمكن أن تصمد فيه المعدة الخاوية؟ ماذا لو تأخر الإمداد؟ وفي لحظةٍ تظن أنك سافرت في التيه لساعاتٍ طوال، تعود إلى الواقع فإذا بالعقارب لم تتحرك سوى بضع دقائق. تعود الرتابة، وتعود معها قبضة الجوع التي لا تشبه الجوع السابق. إنه جوع الصحراء: جوع يجفّف الريق، ويجعل المضغة تضرب في الجوف كحيوانٍ مسجون.
تصل الصمونة أحياناً، يابسةً وقاسيةً كقطعة حجر، وقد اختلطت حبات الرز بحبات الرمل. تضعها في فمك، وتعضّها بصبر، حريصاً ألّا تطبق أسنانك بقوة، لئلا تشعر بذرات الرمال التي تؤلم الأضراس.
ومع تمدد الأيام في الملاجئ الأرضية، أصبحت الأرزاق نادراً جداً. تأخر الإمدادات، وربما لن تأتي أبداً. هنا، أقدم آمر السرية، النقيب بشير، رجلٌ عرفته الأيام بحكمته وصبره على جور الأيام، على إرسال بعض الجنود إلى معالف الذرة البعيدة، تلك المخازن المكشوفة التي كانت آخر ما تبقى من تموين الجيش. قال لهم:
- علّكم تجلبون شيئاً نصنع منه أكلةً تسدّ الرمق.
انطلقوا، ومضت ساعات الانتظار المؤلمة على وقع صمت المكان الممتد. لكنهم لم يعودوا. تبين لاحقاً أنهم غادروا المكان نهائياً، هربوا إلى مناطق سكناهم البعيدة، مستخدمين تلك المهمة ذريعةً للفرار. كان غيابهم أشبه بجرح جديد في خاصرة الجماعة، يعيد طرح سؤال الوجود ذاته: أين نحن؟ ولماذا نحن هنا؟
في موضع النقيب بشير، حيث تتكدس الخرائط والرسائل التي لا تجيب، ألقى الضابط الصغير سؤاله الذي يرتد كل مساء:
- لماذا نشعر بالجوع دائماً يا نقيب؟
نظر إليه بشير بعينين غائرتين، ثم قال بصوتٍ هادئٍ كرمالٍ تتصبب:
- هنا، يا أخي، يصير الإنسان كالحيوان المربوط. والحيوان المربوط... بماذا يشعر؟
- بماذا يشعر؟
- يشعر بالجوع الدائم، جوعاً لا يشبعه إلا الأكل، حتى لو أدى به إلى التخمة. السبب؟ لأن توقف التفكير، وفقدان الأمل... هما ما يجعلان الإنسان أقرب إلى بهيمةٍ لا همَّ لها سوى ما تضع أمامها. نحن هنا لا نفكر، لأن التفكير يؤلم. نحن لا نأمل، لأن الأمل يجرح. فلم يبقَ لنا إلا الأكل، حين يوجد.
في تلك اللحظة، دخل الجندي محمود، الشاب النحيل الذي يعمل في خدمة الضباط، يحمل وجهه براءةً مزيّفة، وسأل بعفويةٍ مصطنعة:
- ماذا تريدون أن تتناولوا اليوم؟
تفاجأ الضباط. تبدلت ملامحهم، وارتسمت على وجوههم دهشةٌ تشبه الأمل. تبادلوا النظرات، ثم ردّدوا في لهفة:
- وماذا لديك يا محمود؟
فأجابهم بصراحةٍ لم يتوقعوها:
- ليس لدي شيء.
فانطلق أحد الضباط خلفه يركض، صائحاً في خليط من المزاج المرّ والانفجار المكبوت:
- لقد منحتني جرعة أمل، ثم سحبتها في اللحظة ذاتها.. سأقتلك... سأقتلك.
وراح الضابط يركض خلف محمود وسط ضحكاتٍ ناشزةٍ من زملائه، ضحكاتٍ كانت أشبه بالبكاء المقلوب. برز الجنود من ملاجئهم من تحت الأرض، ينظرون إلى تلك المطاردة كأنها وليمةٌ بصرية، ثم عادوا تدريجياً إلى جحورهم، إلى ذلك الاجترار الزمني الذي لا نهاية له.
ومرت أيامٌ أخرى لا تختلف عن بعضها، كأنها نسخٌ مكررة من لوحةٍ باهتة. النقيب بشير جلس وحيداً على كثيب قريب من مدخل الملجأ، ينظر إلى الأفق الذي لا يتغير. كان يحاول أن يتذكر شكل الأشجار، أو صوت المطر، أو رائحة الخبز الطازج. لكن الذاكرة بدأت تتفتت مثل صخورٍ تآكلتها الرياح.
سأله أحد الجنود وهو يشير بيده إلى جهةٍ مجهولة:
- هل سنقاتل أحداً يا نقيب؟ أم أن العدو أصبح في داخلنا؟
أمسك بشير بيد الجندي، ثم أجاب بصوتٍ يكاد يندس في هدير الريح:
- الحربُ هنا يا بني ليست ضد عدوٍ تراه. إنها ضد صمتٍ يقتل، وانتظارٍ يمحو، وأملٍ سرقته عقارب الساعة التي لا تدور.
ابتعد الجندي، وبقي بشير وحدَه، يحدق في الأفق. فجأة، رأى ما يشبه سراباً بعيداً: قافلةٌ صغيرة تتقدم، تحمل على ظهورها شيئاً يشبه المؤن. وقف بشير ورفع يده، كأنه يستقبل خلاصاً. لكن السراب تلاشى كأن لم يكن. ولم يبقَ سوى الرمال، تمتد إلى ما لا نهاية، وكأنها تبتلع الصوت، والحركة، والأمل، وحتى الرغبة في السؤال.
وفي الأسفل، تحت الأرض، كان الجنود يعدّون ليلتهم الجديدة كليلةٍ مضت، يعرفون أن النهار سيأتي بما لا يحمل، وأن الحرب ستمضي بلا معنى، وأنهم باقون هناك بين ممرات الرمال، كأشباحٍ تنتظر دورها في مواجهةٍ لا أحد يعرف من سيخوضها؟ ولماذا؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود


المزيد.....




- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...
- مهرجان صيف حوران.. دعم ثقافي وتعافٍ للثقافة السورية
- قاآني في بغداد؟ تضارب الروايات يضع سلاح الفصائل في الواجهة
- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...
- بوتين يطلع على الاستعدادات لافتتاح مدرسة موسيقية جديدة في شر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ممرات الرمال