أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دوائر من رماد















المزيد.....

قصة قصيرة: دوائر من رماد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 00:28
المحور: الادب والفن
    


كانت الحرب قد تمددت على الأرض مثل ظلٍّ لا نهاية له. مئات الكيلومترات من الجبهة، وعمق يتجاوز الألف كيلومتر، ومسافات تفصل القطعات بعضها عن بعض حتى بدا الاتصال بينها ضرباً من المغامرة، فضلاً عن أن تكون المعركة متكافئة.
في الأيام الأخيرة التي سبقت المواجهة، كان الصمت أكثر حضوراً من أصوات الجنود. لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين متى تبدأ المعركة، لكن الجميع كان يعرف أنها قادمة.
كانت السماء تبدو هادئة أكثر مما ينبغي، والأرض ساكنة كأنها تحبس أنفاسها. وفي مواقع متباعدة على امتداد الجبهة، راحت الأوامر تصل تباعاً، تحمل معها أفكاراً بدت لأغلبية الجنود غريبة إلى حدٍّ يصعب تصديقه.
كان الجندي يقف عند طرف الموقع، ينظر إلى ما حوله، ثم يعود ببصره إلى الضابط الذي كان يشرح لهم الخطة.
قال الضابط:
ـ كل شيء محسوب. لا تتركوا مواقعكم، وكل رجل يعرف مهمته.
لم يقتنع الجندي تماماً. نظر إلى الأرض، فرأى صفوفاً من إطارات السيارات القديمة، مدفونة إلى منتصفها، واحداً إلى جوار الآخر، حتى بدت من بعيد دوائر سوداء متلاصقة فوق التراب، كأن طفلاً أخذ قلماً أسود ورسمها على ورقة واسعة.
اقترب منها أكثر، مدّ يده إلى أحدها ولاحظ الغبار أخذ يغطيها.
تمتم في داخله:
- أهذه هي الخطة التي سنواجه بها السماء؟
ثم رفع عينيه إلى الأعلى. كانت الطائرات المعادية تظهر أحياناً كنقاط صغيرة في الأفق، ثم تكبر شيئاً فشيئاً حتى تتحول إلى كائنات معدنية مرعبة.
عاد ينظر إلى الإطارات.
- هل ستخاف الطائرات من هذه الدوائر؟ أم أننا نحن الذين نحتاج إلى شيء نخاف منه كي نصدق أننا مستعدون؟
كان إلى جانب كل مجموعة من الإطارات زجاجة نفط، أُعدّت بعناية، ووُضع في فوهتها ما يشبه الفتيل. كانت التعليمات واضحة: عند بدء المواجهة، ومع اتجاه الريح، تُشعل الزجاجات فتشتعل الإطارات ويتصاعد الدخان، في محاولة للتأثير في قدرة الطائرات على الرؤية والاستمرار في القتال.
شرح أحد المسؤولين للجنود:
ـ عندما تصل الطائرات، ستتحول هذه المنطقة إلى ستار من الدخان. المهم أن تكونوا سريعين
هز الجندي رأسه، لكن شيئاً في داخله لم يهتز. إذ كان يتساءل:
- وماذا لو لم نكن أسرع منها؟
لم يكن السؤال مسموحاً به، لذلك احتفظ به في صدره.
لم تكن الإطارات هي المفاجأة الوحيدة. ففي نهاية كل موقع تقريباً، كان هناك جمل مربوط إلى وتد خشبي، يقف في صمت، يمضغ ما يُلقى إليه من علف، وكأنه لا يعنيه شيء مما يحدث حوله. كان وجوده مثيراً للدهشة، جندي ينظر إلى طائرة حديثة، وإلى جانب الموقع جمل ينتظر دوره في الحرب.
اقترب الجندي منه وربت على رقبته، قال في سره:
- ربما ستكون أنت آخر وسيلة اتصال بيننا وبين العالم.
كان قد تلقى التدريب على ذلك. فإذا انقطعت وسائل الاتصال، وتعطلت أجهزة اللاسلكي، وانقطعت خطوط الهاتف، يمتطي أحد الجنود ظهر الجمل ويحمل الرسالة إلى الموقع الآخر.
كانت المهمة موزعة بدقة، هناك جندي يعرف متى يشعل الإطارات، وهناك جندي يعرف كيف يركب الجمل، وهناك آخر يحتفظ بالرسالة. كل شيء كان مكتوباً في الأوراق، كل شيء كان له اسم ورقم وتوقيت.
إلا الحرب نفسها، هي الشيء الوحيد الذي لم يكن أحد يستطيع كتابته.
في الليلة السابقة للمواجهة، جلس الجندي قرب الجمل. كان القمر شاحباً، والريح تمر بين الخنادق حاملة رائحة التراب والزيت.
قال لزميله:
ـ أتصدق أنهم يريدون منا أن نحارب بهذه الإطارات؟
ضحك زميله ضحكة قصيرة، ثم قال:
ـ لا أعرف. ربما يعرفون أكثر منا.
صمت قليلاً ثم أضاف:
ـ المهم أن ننفذ الأوامر.
أطرق الجندي رأسه.
- ننفذ الأوامر... نعم.
ثم نظر إلى السماء.
- لكن هل تستطيع الأوامر أن توقف طائرة؟
لم ينم أحد تلك الليلة. وعندما بدأت الحرب، بدا كل شيء مختلفاً. لم يعد هناك وقت للأسئلة، دوت الأصوات من بعيد، ثم اقتربت، اهتزت الأرض، ارتفعت الطائرات في السماء، لا كنقاط هذه المرة، بل كأجسام ضخمة تعبر الفضاء بسرعة لا تمنح العين فرصة لتتبعها.
صرخ أحد الجنود:
- بدأت.
امتدت الأيدي نحو مواقع الإطارات، كان الجندي المكلف بإشعالها يركض. وصل إلى أول مجموعة، أخرج عود الثقاب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده، دوى انفجار قريب. سقط على الأرض، تناثر التراب فوق وجهه. رفع رأسه، كانت الطائرة قد عبرت.
ثم جاءت أخرى.
ثم أخرى.
لم يعد يعرف من أين يأتي الصوت، لم يكن ثمة وقت لإشعال شيء. كانت الطائرات تضرب كل ما يقع في طريقها قبل أن يجد الجنود فرصة لتنفيذ الخطة التي تدربوا عليها طويلاً.
الإطارات بقيت في أماكنها، دوائر سوداء صامتة فوق التراب. أما مراكز القيادة، فقد تحولت تباعاً إلى كتل من الدخان والركام، انقطعت الاتصالات، اختفت الأصوات التي كانت تصل عبر أجهزة اللاسلكي، لم يعد أحد يعرف شيئاً عن أحد.
عندها تذكر الجندي الجمل، ركض نحوه. كان الحيوان ما يزال واقفاً في مكانه، هادئاً على نحو غريب، كأنه لم يفهم أن العالم من حوله قد انهار.
حلّ الجندي وثاقه، ثم توقف. نظر إلى المكان الذي كان يفترض أن يحمل إليه الرسالة، لم يعد هناك مركز قيادة، لم يعد هناك من ينتظر الرسالة، لم تعد هناك حتى جهة يمكن أن تصل إليها.
اقترب منه زميله وسأله:
- إلى أين ستذهب؟
لم يجب، ظل ممسكاً باللجام. وقال بعد صمت:
- لا أعرف.
ـ إذن لماذا أطلقته؟
نظر الجندي إلى الجمل، ثم إلى الطريق الممتد أمامه.
قال:
- ربما لأنه لا يزال يعرف الطريق.
سكت الاثنان. وفي الأفق، كانت أعمدة الدخان ترتفع ببطء، بينما بقيت الإطارات المدفونة في الأرض كما هي. دوائر سوداء كثيرة، دوائر لم تشتعل، دوائر لم ترها الطائرات أصلاً.
ومع انحسار الضجيج شيئاً فشيئاً، تحرك الجمل وحده.
خطوة...
ثم خطوة أخرى...
والجندي يمسك لجامه ويسير إلى جانبه، حاملاً رسالة لم يعد يعرف لمن كُتبت. كان الطريق أمامهما خالياً، والسماء فوقهما مفتوحة.
وفي مكان ما خلفهما، بقيت الإطارات تنتظر عودتهم، كأنها ما زالت تؤمن بأن الحرب لم تبدأ بعد.
أما الجندي، فكان ينظر إلى الرسالة في يده ويتساءل:
- إذا لم يعد هناك أحد ينتظرها... فهل تظل الرسالة ذات قيمة؟
ثم طوى الورقة ببطء، ووضعها في جيبه. ومضى. كان الجمل يسير بطريق اعتاد عليه. أما هو، فلم يكن يعرف إلى أين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف


المزيد.....




- سجال الهوية واللغة في الجزائر: مواجهة مفتوحة بين مقري ومعزوز ...
- شهدت أفول إمبراطورية المطر.. -آيانيس- قلعة تكشف أسرار العرش ...
- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...
- هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1 ...
- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دوائر من رماد