أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: طيف أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: طيف أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 00:28
المحور: الادب والفن
    


كان المساء خريفياً، والهواء ينساب بارداً كأنه يذكّره بأن الفصول لا تتبدل وحدها، بل تتبدل معها الوجوه والملامح واليقين. جلس في الحديقة، منكفئ الرأس، وأصابعه تعبث بهاتفٍ خامل بين يديه، كأنه يبحث في شاشته عن ظلٍّ قديم تاه منه منذ زمن. كانت ملامحه محاطة بقلقٍ كثيف، كضبابٍ رماديٍّ لا يتيح للعين أن ترى ما وراءه. كل ما حوله صامت، إلا صراخ داخلي لا يسمعه أحد.
حين أرخى الهاتف على الطاولة الخشبية، همس لنفسه بصوتٍ متردد، كأنه يخشى أن يوقظ الصدى:
- عليّ أن أواصل التفكير في صلب الموضوع والغوص فيه… لكن من سيسمعني الآن؟
وانهالت عليه الذكريات كسيولٍ لا تعرف الرحمة. رأى نفسه طفلاً صغيراً في بيتٍ تفوح منه رائحة الطين والرطوبة والغياب. أمٌّ رحلت قبل أن تكتمل أولى كلماته، وامرأة غريبة أحاطت طفولته بالقيود كلما حاول أن يتنفس. في باحة الدار، كانت شجرة السدر تمد ظلّها على مجلس الأب. هناك يجلس في سكونٍ مطمئن، وإلى جانبه زوجته تبتسم له أحياناً، ثم تعبس في وجه الطفل كلما التقت عيناهما.
- أين جمال؟ ماذا يفعل في الغرفة المغلقة؟
يناديه الأب. يفتح الصبي شباكاً صغيراً، فتلتقي عيناه بعينيها الباردتين، كأنهما مرآتان تعكسان خوفه وحده. يغلق النافذة سريعاً، يسند ظهره إلى الجدار الطيني، ويصرخ باسم أخيه، فلا يجيبه سوى صدى صوته المبلل بالرعب.
يتأخر الأخ في الحقل، ويثقل المساء على البيت. الغرفة تضيق به، فيضرب الجدار بيده حتى يتخدر الألم، وتغمره رغبة غامضة في الهروب إلى مكانٍ لا تصل إليه عيناها. ثم تعود إليه صورة الغريق؛ زميله في المدرسة، حين كانت أمه تصرخ على الشاطئ وتنهار على صدرها كأمواجٍ مفجوعة. يبكي جمال يومها، يحتضنه أخوه، لكنه لا يعرف إن كان يبكي صديقه الغارق أم نفسه التي بدأت تغرق منذ زمن أبعد.
يسأل نفسه الآن:
- لو كنت أنا الغريق، من سيبحث عني؟
يتنقل بين ذكرى وأخرى كمن يسير في مقبرة بلا أسماء، ثم يعود إلى واقعه البارد، محدقاً في هاتفه، كأنه يخاطب فراغاً مطلقاً:
"صمتي أعمق من الكلام، فيه أبحث عن ذاتي الضائعة، عن أمي التي تركتني بين الأرض والسماء، عن طيفٍ لا يموت ولا يعود".
يسند رأسه إلى المقعد، ويغفو على ارتعاشة خفيفة. وحين يفتح عينيه، يجد نفسه في بيت خالته، والوجوه من حوله باسمة، وفانوسٌ يرسل ضوءاً أصفر خجولاً. يسمع أحاديثهم عن أمه الراحلة، عن طيبتها وسخائها، ثم يخترق السكون صوتٌ ناعم:
- أتظنون أني متُّ؟ أنا ما زلت أرى كل شيء.
يلتفت. يراها. امرأة بثوبٍ أبيض تمشي في مهب الريح، شعرها يتطاير كأجنحة حمامة خرجت من ذاكرةٍ بعيدة. تقترب منه، تضع يدها على رأسه، فيهدأ نبضه كبحرٍ انطفأت عاصفته. يدرك في أعماقه أنها أمه، وأن هذا الطيف ليس حلماً عابراً، بل عتبة بين الحياة والذاكرة.
لكنه يستفيق، ولا يخبر أحداً. يعرف أن ما رآه ليس سوى وجع روحٍ يرفض أن يفنى.
تمر الأعوام، ويكبر الحنين معه كما يكبر الظل خلف الخطى. يحاول أن يجد في وجه زوجة أبيه معنى للصلح، لكنها لا تجيب إلا بالجفاء. يوم زفافه، يدعوها:
- أتمنى أن تحضري عرسي.
فتشيح بوجهها، وتغلق الباب. ويتمنى لو أن أمه حضرت، ولو للحظة، لتزغرد باسمه ثم تطمئن وترحل .لكنه يدرك أن الفقد لا يُرمم، بل يستقر كندبةٍ في عمق الجسد.
يحاول أن يبدأ من جديد، أن يمنح أخاه شيئاً من الشكر الذي تأخر، يهم بالذهاب إليه، لكن صرخةً مفاجئة تسبقه. يدخل مذهولاً. يجد أخاه مسجّى بعد صلاة الضحى، ساكناً كأنه يراه للمرة الأولى. يجلس قربه، يهمس له بكلماتٍ لا يسمعها أحد، ويبكيه كما بكى الغريق، وكما بكى أمه، وكما يبكي نفسه الآن.
وفي الليلة ذاتها، يرى في الحلم وجهاً آخر يطل من وراء الضوء، وجه الأم يقول بصوتٍ لا يشبه الأرض:
- كن قوياً يا ولدي، فالحياة لا تنتظر الضعفاء.
يمد يده إلى الهاتف مرة أخرى، لكن الشاشة تنطفئ قبل أن يلمسها. ويبقى الطيف يحوم في العتمة، كأنه يكتب سيرة لا تنتهي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...


المزيد.....




- سجال الهوية واللغة في الجزائر: مواجهة مفتوحة بين مقري ومعزوز ...
- شهدت أفول إمبراطورية المطر.. -آيانيس- قلعة تكشف أسرار العرش ...
- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...
- هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1 ...
- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: طيف أنثى