أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة














المزيد.....

قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 00:02
المحور: الادب والفن
    


كانت الأعراس في القرى القديمة تبدأ بالزغاريد، لكنها لا تنتهي دائماً بالفرح. ففي زمنٍ كان الضوء شحيحاً، لم تكن العتمة تسكن الغرف الطينية وحدها، بل كانت تمتد أحياناً إلى النفوس، حتى يصبح الفانوس شاهداً صامتاً على أسرارٍ لا يجرؤ أحد على الاعتراف بها.
لم يكن مؤهلاً للزواج، لا لأن قلبه كان خالياً من المودة، وإنما لأن عيباً خلقياً لازمه منذ ولادته جعل لسانه يبرز خارج فمه كلما حاول الكلام، فتخرج الحروف متكسرة، متداخلة، كأنها تتعثر ببعضها قبل أن تبلغ آذان الآخرين. كان يدرك أن الناس لا يفهمون حديثه إلا بشق الأنفس، وكان يدرك أكثر أنهم يسبقون الشفقة بالسخرية.
كان يقف أحياناً لوحده يحاول أن يردد اسمه، لكن الاسم نفسه كان يخرج غريباً عنه، فيخفض رأسه ويتمتم في داخله:
- أليس لي قلب مثل سائر الرجال؟
أما أهله، فكانوا يرون أن الزمن يمضي، وأنه لا بد أن يتزوج. غير أن أبناء المنطقة يعرفونه جميعاً، ولن تقبل أسرة بتزويجه ابنتها. لذلك اتجهوا نحو القرى البعيدة، حيث لا يعرف الناس ملامحه ولا حكايته.
وبعد بحث طويل وجدوا فتاة يتيمة، لا سند لها سوى خالٍ عجوز أنهكته الحاجة. تقدموا لخطبتها، ورحب أهلها، لكن بقيت عقبة الرؤية الشرعية.
ساد الصمت. كان الجميع يعلم أن الحقيقة، إذا ظهرت، ستنهي الأمر قبل أن يبدأ. لذا قطع أحد الرجال الصمت قائلاً:
- ادعو فلاناً يحضر مكانه، هي مجرد رؤية ثم يمضي كل شيء.
ساد وجوم ثقيل. لم يعترض أحد، حتى هو، ظل مطأطئ الرأس. راح يحدث نفسه:
- إن رفضتُ سأبقى وحيداً ما حييت.
وحين لم يجد اعتراضاً سكت.
في يوم الرؤية، حضر الرجل الآخر مكانه، بوجه هادئ وهيئة حسنة. نظرت الفتاة إليه بخجل، ثم أنزلت عينيها. لم تدم المقابلة سوى دقائق، لكنها كانت كافية لتزرع في قلبها صورة سترافقها حتى ليلة الزفاف.
تم الزواج. زغاريد، دفوف، رجال يباركون، ونساء يوزعن الحلوى. أما الحقيقة، فكانت تسير بينهم كطيف لا يراه أحد.
حل الليل. أغلقت الغرفة الطينية بابها على عروسين لا يعرف أحدهما الآخر، كان الفانوس النفطي المعلق في الجدار يرسل ضوءاً أصفر واهناً، يكاد يغلبه الظلام.
جلست العروس تراقب الرجل المقابل لها، شيء ما ليس كما رأته. وعندما اقترب منها، صارت تحدث نفسها:
- لعل التعب غيّر ملامحه.
ثم عادت تقول لنفسها:
- أم أن الضوء صار يخدعني؟
رفع رأسه إليها، وحاول أن يرحب بها. خرجت الكلمات متعثرة، مبعثرة، لا تستقيم. ارتبكت. اقترب أكثر، حاولت أن تلتقط ملامحه من بين ظلال الفانوس، لكن الضوء كان أضعف من أن يكشف الحقيقة كاملة.
ظل الليل يمضي ثقيلاً، وحصل ما حصل. أما هي، فلم يغمض لها جفن. كانت تشعر أن شيئاً انكسر، لكنها لم تستطع أن تمنحه اسماً.
وحين دخل الصباح من شقوق الباب الطيني، انكشف كل شيء دفعة واحدة، لم يعد الفانوس يحجب الوجوه. نظرت إليه طويلاً، ثم تراجعت خطوة. همست بصوت مرتجف:
- أين الرجل الذي رأيته؟
ساد صمت طويل، لم يجبها. فالإجابة كانت تقف بينهما، أكبر من الكلمات. لذا خرجت من الغرفة، والدموع تسبق خطاها.
أما أهل الدار، فقد أشاحوا بوجوههم، وكأنهم يخشون النظر إلى الخديعة التي صنعوها بأيديهم. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أحد يتحدث عن الزواج، بل صار الجميع يبحث عن مبررات. كان كل واحد يبرئ نفسه، بينما كانت الحقيقة تدور بينهم مثل ظل ثقيل.
أما الزوج، فقد بقي جالساً عند عتبة البيت، ينظر إلى الفانوس الذي انطفأ ضوؤه بعد أن أشرقت الشمس. لذا مد يده إليه، ظل ممسكاً به طويلاً... وكأنه أدرك متأخراً أن بعض الأضواء لا تخفي الحقيقة، بل تؤجل ظهورها فقط.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة


المزيد.....




- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل
- مراجعات جديدة تكشف حقيقة فشل الاستخبارات الغربية في ألبانيا ...
- «لن نتخلى عن أي قطعة».. الثقافة تؤكد ملاحقة الآثار العراقية ...
- رائد فهمي: المدى منبر رائد للمهنية والثقافة والتنوير في العر ...
- مهرجان -يوم الهند- في موسكو يستعد لاستقبال مئات الآلاف من ال ...
- منتجه خدم بالجيش الإسرائيلي.. ما قصة حملة مقاطعة فيلم -سبايد ...
- نسرين طافش تستعيد «الروقان» من كواليس أحدث أعمالها الغنائية ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة