أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دَين الكلمة














المزيد.....

قصة قصيرة: دَين الكلمة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 00:22
المحور: الادب والفن
    


لم يملك الرجل موهبة الإصلاح بين الناس، لا لأنه جاف الطباع، بل لأنه كان رهين الصدق المفرط، أسير الجدية التي لا تعرف المواربة. كان يرى في المماحكات الكلامية ضرباً من العبث، وفي محاولات الإقناع المنطقية استدراجاً للعقل بعيداً عن صفاء الضمير. لذا، كان يتجنب تلك المعارك الصغرى، حفاظاً على نقاء كلمته. لكن الأقدار، وهي لا تأبه بمنطق العقل البشري، جرّته هذه المرة إلى مستنقع الوساطة، كما تجر السيول الحجر من قمة الجبل، رغماً عنه، وبإرادة لا يملك تجاهها سوى الخضوع.
في يوم غائط، كأن الشمس تذيب فيه الصخر، وتنفس الأرض يصعد كالحرقة، فوجئ بضيوف يطرقون بابه الطيني المشرف على سهل يمتد حتى نهر دجلة، ذلك البيت البسيط الذي كان يشبه عشّ طائر فوق التل، يراقب مياه النهر وهي تجري كالزمن، لا تعود ولا تستدير. ما إن وقعت عيناه على وجوههم، حتى تبدّلت ملامحه، وانطبع على وجهه قناع من الهم، كأنه يعرفهم، أو يعرف ما يحملونه معهم من وعود وذكريات. ومع ذلك، نهض ليستقبلهم، مجبراً على احترام أصول الضيافة الموروثة، ماداً يده بالشاي، بينما كان الصمت يتوسد الغرفة، والنظرات تتقافز بين الحضور كعلامات استفهام، وكأنها أسئلة امتحان صامتة لصدق الكلمة عند الوعد.
عندها، أخذ كبيرهم بدأ الحديث، وهو رجل تلفّع بالوقار كأنه رداء لا يفارقه، يتقدّم المجموعة بهدوئه وثقله. اختصر الحديث بجملة لم تترك للمضيف منفذاً للتأويل، فقال:
- اليوم جئنا على الموعد الذي ذكرته لنا. الوعد دين، والكلمة أمانة.
أخذ الرجل يعبث بهوامش الفراش البسيط الذي يغطي أرض الغرفة، كمن يفتش عن هروب من بين الخيوط، ثم رفع رأسه نحو النافذة التي تطل على السهل الأخضر الذي يموج كالبحر، وقال بصوت بحّ:
- نعم، أعلم. لكن الطريق تمرّ عبر والد المرأة. هو وحده من يملك ردها إلى زوجها. أنا مجرد قناة، لا أملك من الأمر شيئاً.
لكن الرجل الوقور لم يمهله طويلاً. أخرج من جيبه مبلغاً من المال، بدا وكأنه ثمن متّفق عليه مسبقاً، وقدمه إليه بيد لا تقبل التردد. نظر إليه الرجل طويلاً، وبدا كأنه يرى في ذلك المال جمرة، لا ديناراً. تردّد، لكنه سمع الرجل الوقور يعيد:
- الوعد دين، يا رجل. لا تهرب منه.
تنهّد، وأخذ المبلغ، ووضعه تحت الفراش كأنه يدفن شيئاً ثقيلاً، مكرراً في نفسه:
"الوعد دين".
لكن قلبه كان يهمس له:
"الموضوع أكبر من الكلمة، أكبر من هذا المال".
ثم نهض وقال:
- اعطوني مهلة.
فأجابه الرجل الوقور ببرود:
- نحن ليس في عجلة. الزمن ينتظر الحق.
خرج الرجل، مشياً ثقيلاً، كمن يحمل جبلاً على ظهره، متجهاً إلى منزل والد المرأة. تلك المرأة التي كانت زوجة للشاب الشاحب الجالس صامتاً بين الوفد، شاب لم يرتكب ذنباً، لكنه يدفع ثمن عرف جاهل، زواج الشغار، تلك اللعبة القاسية التي تحول النساء إلى قطع شطرنج في أيدي الرجال، تنتقل هنا وهناك دون إرادة.
عاد الرجل بعد نصف ساعة، ووجهه يقطر عرقاً وكآبة، كمن عاد من حرب خاسرة. نظراته كانت فارغة، وكأنه حمل همّ الدنيا كلها بين عينيه. سأله الرجل الوقور وهو يشعل سيجارة:
- ما وراءك؟ خيراً أم شراً؟
تردد الرجل، وكأنه يتلمس كلمات لا تحرقه، ثم قال:
- والدها... لم يحترم عهد الكلام. قال لي: "ابنتي لن تعود، ولو اجتمع عليّ أهل الأرض".
هز الرجل الوقور رأسه كمن يتوقع ذلك، ثم قال بصوت بارد:
- نحن لا علاقة لنا بوالدها. أنت الوسيط. أنت من أعطانا الوعد. وأنت صاحب الكلمة هنا.
تنهد الرجل طويلاً، وأحس بأن الأرض تضيق به رغم اتساع السهل أمامه، ثم نهض وقال:
- امنحوني فرصة أخيرة. سأعود إليه.
خرج للمرة الثانية، وهذه المرة كان ظهره أكثر انحناءً، وخطوه أبطأ، كمن يمشي إلى محرقة. أطال الغياب، حتى ظن الحضور أنّه هرب، أو أنه ابتلعته الأرض الطينية. لكنه عاد أخيراً، ودخل الغرفة دون أن يرفع رأسه. صمت طويل كأنه يوزّع المصائر، ثم رفع عينيه نحو الشاب، زوج المرأة المنكوبة، ونظر إليه نظرةً طويلةً، نظرةً كانت تحوي الشفقة والعزم والحسرة، ثم قال بصوت لا يحتمل النقاش:
- طلّق زوجتك.
ارتجف الشاب كمن سمع حكم الإعدام، وصاح مذعوراً:
- كيف؟! ولمَ؟!
فأجابه الرجل، وهو يزيح غبار الطريق عن ثيابه، وكأنه يزيح عنه تبعات القرار:
- طلّقها... واعقد على ابنتي الآن.
ساد الغرفة صمت أشد من الموت. بهت الشاب وبهت الحضور، وتحولت الوجوه إلى تماثيل من دهشة وذهول. كانوا يعرفون أن الرجل صاحب الكلمة، لكنهم لم يتخيلوا أنه سيستعمل كلمته هكذا، كالسيف، يقطع ليصلح، ويهدم ليُبني، وكأنما أراد أن يدفن عيباً بعيب آخر، أو أن يفتدي امرأة بأخرى، في لعبة أعراف لا تفقه الرحمة.
ورغم أنفاسهم المتقطعة، تمّ العقد هناك، على عجل، وكأن الزمن نفسه أراد أن يطوي الصفحة بسرعة، قبل أن يستفيق العقل.
خرج الجميع تاركين الرجل وحيداً في غرفته الطينية، يطل من النافذة على نهر دجلة عبر السهل الأخضر الذي كان يجري في صمت كعادته، لا يهتم بوعود البشر ولا بزواجهم ولا بطلاقهم. جلس على فراشه، وضع يده تحت الوسادة، فلمس المبلغ الذي كان قد وضعه هناك. أخرجه، نظر إليه طويلاً، ثم ألقى به من النافذة باتجاه النهر، وراح يراقب الأوراق النقدية وهي تتطاير في الهواء كأنّها ذكريات، قبل أن تستقر على سطح ذلك البساط وربما استقر بعضها على سطح الماء، كمن يودع شيئاً ليس له، أو يحرر روحه من دين لم يكن دينه.
في تلك اللحظة، لم يعد المهم ما فعله الرجل، بل ما سيظل يفعله الصمت بعده، وصوت النهر الذي لا يتوقف عن الجريان، يسأله ولا يجيب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر


المزيد.....




- أسطورة -الحشاشين- الإيرانية.. قصة قلعة -ألموت- التي ضمتها ال ...
- -دايبين في صوت الست-.. عرض يحتفي بإرث أم كلثوم في مهرجان جرش ...
- الاسكان:إطلاق حملة توعوية لنشر ثقافة الالتزام بقانون تنظيم م ...
- هوليوود تعيد اختراع الخوف.. 4 اتجاهات ترسم ملامح مستقبل أفلا ...
- بعد عقدين من الإعلان عنه.. جوجنهايم أبو ظبي يفتح أبوابه في د ...
- فنان مصري يثير الجدل بين متابعيه بصورة غامضة على انستغرام
- دراسة: ربع الروس ينفقون حتى 5000 روبل على الفعالية الثقافية ...
- صراع السينما والتكنولوجيا.. هل ينجح ذكاء ماسك الاصطناعي في ه ...
- متحف بوشكين في موسكو يعرض كنوز الشارات والرموز الإمبراطورية ...
- شهد برمدا تفتح صفحة جديدة بأغنية عن القوة بعد الخذلان


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دَين الكلمة