أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم














المزيد.....

قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 08:04
المحور: الادب والفن
    


في مشهدٍ تتراءى فيها الغيومُ ككفنٍ ممتد من جهة المغرب، تحملُ في طياتِها وعدَ المطرِ الربيعي الذي طالما كانَ في الذاكرةِ الجمعية بشارةَ حياةٍ، لكنهُ في ذلكَ النهارِ تحول إلى نذيرِ تغير يخفي خلفَ ستائرهِ ما هوَ أعمقُ من قطراتِ الماءِ. كانَ الأفقُ يئن بثقلِ الرطوبةِ، والرياحُ تعبثُ بأذيالِ النهارِ، إذ بلغ الأهالي خبرُ مفارزَ تفتيشٍ عن السلاحِ، ذلكَ الكنزِ الرمزي الذي لا يُفارقُ بيوتَهم الطينيةَ، فكانَ إيعازُ الشيخِ بدفنِ كل قطعة سلاح قبل أن تبتلع الظلمة آخر خيط من الضوء، وكأن الأرضَ تستعد لاحتضانِ سر جماعي تحتَ سطحِها الهش.
لمْ يثر أحد من رجالِ القريةِ، إذ كانوا يدركون أن القانونَ، مهما بدا جائراً، يظل سقفاً لا يُمكن تجاوزُه، فشرطي واحدٌ، بعصا سلطتِه، قادرٌ على أنْ يُرجِف عشيرةً بأكملِها، فكيفَ إذا تعلقَ الأمرُ بالسلاحِ الذي يُجسدُ في منطقِهم الكرامةَ والوجودَ؟ فالسلاحُ، في تلكَ البيئةِ، ليسَ أداةَ عنفٍ بقدرِ ما هوَ ظل حامٍ من اعتداءاتِ الغيرِ، وشرفٌ لا يُباعُ ولا يُشترى.
انطلقَ الجميعُ يُوارونَ بنادقَهم ومسدساتِهم في جوفِ الأرضِ، كل حسبَ مخيلتِه: فمنهم من حفرَ حفرةً في زاويةِ غرفةِ الجلوسِ الطينيةِ، تحتَ بساطٍ بالٍ، ومنهم من لجأَ إلى مخزنِ الحطبِ الجاف، ظاناً أن الخشبَ سيُخفي رائحةَ البارودِ، ومنهم من ركضَ إلى أطرافِ القريةِ، ووارى سلاحَهُ تحتَ شجرةِ أثل عجوزٍ، أو بينَ صخورِ وادٍ قريبٍ. المهم أن الأرضَ ابتلعتْ تلكَ الأجسامَ المعدنيةَ كلها، وكأنها تبتلعُ هويةَ الرجالِ معها.
غابتِ الشمسُ، أو هكذا توهموا، فهيَ منذُ الظهيرةِ حجبتْها الغيومُ الكثيفةُ التي صارتْ كجدارٍ رمادي، وبدأتِ الرياحُ تعوي كذئابٍ جائعةٍ، فأسرعَ الأغلبُ إلى بيوتِهم الطينيةِ، بعدَ أنْ قدموا العلفَ لدوابهم، وأغلقوا الأبوابَ الثقيلةَ، تاركينَ القريةَ لصمتٍ ثقيلٍ لا يقطعهُ سوى همهمةِ الريحِ. وفي ساعةٍ متأخرةٍ من الليلِ، حينَ اشتد العصفُ وتلاطمتْ ظلالُ الغيمِ، دوى فجأةً صوتُ طلقاتٍ ناريةٍ في قلبِ القريةِ، كصاعقةٍ خرقتْ صمتَ الخوفِ.
استنفرَ الناسُ، وهمَ يخرجونَ من بيوتِهم مذعورينَ، لكنهم لمْ يحملوا سوى العصي والهراواتِ، لأن أسلحتهم تلكَ الكرامةَ المدفونةَ كانتْ لا تزالُ نائمةً في باطنِ الأرضِ. توجهوا نحوَ مصدر الصوت، وإذا برجلٍ له مكانته الخاصة في نفوسهم قد قُتلِ، ذلكَ الرجلِ الذي نادى عليه شخصانِ باسمِه، فخرجَ مطمئناً، ليلقي حتفَهُ بدمٍ باردٍ، ثم اختفيا في عتمةِ الليلِ.
لمْ يستطعْ أحدٌ ملاحقتَهم أو الإحاطةَ بهم، لأن أيديهم باتتْ عاريةً من السلاحِ، وكأنهم جردوا من ظلهم الواقي. سُجلتِ الجريمةُ كـمجهولَةِ الفاعلينَ، رغمَ أن الشكوكَ كانتْ تحومُ حولَ منْ أوعزَ بدفنِ الأسلحةِ نفسِها، وكأن الخيطَ الخفي بينَ القرارِ والجريمةِ باتَ أوضحَ من أنْ يُخفى.
وفي صباحِ اليومِ التالي، انكشفتِ الغيومُ عن شمسٍ باهتةٍ، وكأن السماءَ تبرأتُ مما حدثَ تحتَ ظلها. أما السلاحُ المدفونُ، فقد بقيَ حبيسَ الترابِ، بينما كرامةُ القريةِ دُفنتْ معه، ليسَ تحتَ غرفةِ الجلوسِ أو مخزنِ الحطبِ، بل في صمتِ الضميرِ الجمعي الذي اختارَ الطاعةَ على حسابِ الأمانِ. هكذا، تحولَ المطرُ الذي كانَ يُنتظرُ كغيثٍ، إلى رمادٍ يلف وجوهَ الرجالِ الذينَ أدركوا متأخرينَ، أن الخوفَ من سلطةٍ خارجيةٍ قد يكونُ أقل فتكاً من الثقةِ العمياءِ بقرارٍ داخلي، وأن الغيومَ حينَ تغيبُ تعودُ، لكن الكرامةَ إذا دُفنتْ قد لا تُنبِتُ إلا الندمَ.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة


المزيد.....




- -حذر زواره وأصدر مرسوما جديدا-.. لماذا أعلن ترمب الحرب على ا ...
- ألمانيا.. مديرة مهرجان -بايرويت للموسيقى- تحذر من الانزلاق ن ...
- الموت يُغيّب فيلسوف الموسيقى العراقية فاروق هلال
- بيت المدى يستذكر شاعر القصة وراهب المسرح جليل القيسي
- حين يحرر التلفزيون كلام السلطة.. صراع الرواية الرسمية في إير ...
- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
- نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم