أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة














المزيد.....

قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 00:38
المحور: الادب والفن
    


كان يحاولُ أن يُخفي ارتجافَ داخله بابتسامةٍ صغيرة، ابتسامةٍ تشبهُ محاولةَ طائرٍ حديثِ الجناحين أن يقنعَ نفسه بقدرته على التحليق. غير أنَّ في أعماقهِ شخصاً آخرَ لا يكفُّ عن مساءلتهِ وإثارةِ خوفهِ؛ شخصاً تربّى على هدوءِ القريةِ وبساطةِ الحقول، فكيف له أن يقتحمَ فجأةً هذا العالمَ الجديد، عالمَ الجامعةِ والمدينةِ واتساعِ الحياة؟
ثمانيةَ عشرَ عاماً قضاها وهو يعيشُ داخلَ دائرةٍ صغيرةٍ وآمنة، تعتمدُ تفاصيلُها على يدِ أمه؛ ترتبُ له يومه، تُوقظه، تُعدُّ حاجاته، بل وتفكرُ عنه أحياناً حين يعجزُ عن التفكير .أما الآن، فهو ذاهبٌ إلى حياةٍ لا أحدَ فيها يعرفُ ضعفه، ولا أحدَ سيُمسكُ بيده إن تعثر.
جلسَ قرب نافذةِ الحافلة التي أقلّته من قريتِه الفلاحية الصغيرة إلى المدينةِ الكبيرة التي طالما سمع عنها ولم يتخيل يوماً أنه سيكونُ جزءاً منها. كان الطريقُ يمتدُّ طويلاً بين الحقولِ الخضراءِ ورائحةِ الترابِ الرطب، فيما كان الفلاحون يباشرون أعمالهم منذ الفجر وكأنهم جزءٌ من دورةِ الأرضِ نفسها، لا يتوقفون ولا يشتكون.
أما هو، فكان يحملُ داخلهِ ضجيجاً لا يشبهُ سكونَ الصباح.
تذكرَ أمَّهُ لحظةَ الوداع، دموعَها التي حاولت إخفاءها عبثاً، ويديها المرتجفتين وهي تُوصيهِ بالنقودِ القليلة التي اقترضتها من الجيران. كان يعودُ بين حينٍ وآخر يلمسُ جيبه الأمامي ليتأكد من وجودها، لا خوفاً على المال وحده، بل خوفاً من أن يُضيّع تعبَ امرأةٍ وضعت ما تبقى من عمرها في جيبِ ابنها .وكان يتذكرُ إخوته الصغار، وجوههم اليتيمة التي تنظرُ إليه وكأنه البابُ الوحيدُ المفتوحُ نحو حياةٍ أقلَّ قسوة. في تلك اللحظات أدركَ أن الفقرَ لا يُرهقُ الجسدَ فقط، بل يضعُ الإنسانَ في مواجهةٍ دائمة مع شعورهِ بالمسؤولية؛ إذ يتحولُ النجاحُ عند الفقير من حلمٍ شخصي إلى نجاةٍ جماعية.
غاصَ أكثرَ في أفكاره، يستعيدُ شريطَ حياته؛ بيتٌ بسيط، سنواتُ حرمان، فقدانُ الأب مبكراً، نظراتُ الشفقةِ أحياناً، وكلماتُ الثناءِ التي كانت تمنحهُ شعوراً مؤقتاً بالقوة. لكنه اكتشفَ مع مرور الوقت أن المديحَ لا يطعمُ جائعاً، ولا يخففُ خوفَ إنسانٍ يقفُ على حافةِ مستقبلٍ مجهول.
وفجأةً بدأت ملامحُ المدينة تظهر.
سماءٌ يغطيها دخانٌ أبيض، شوارعُ واسعة، أبنيةٌ شاهقة، ضجيجُ سياراتٍ ومنبهات، بشرٌ يركضون كأن الزمنَ يطاردهم، وجوهٌ كثيرة لا يلتفتُ أحدٌ فيها إلى الآخر. شعرَ لحظتها أن المدينةَ ليست مكاناً فقط، بل اختبارٌ قاسٍ لقدرةِ الإنسان على ألا يضيع وسط الزحام.
ترجلَ من الحافلةِ وهو يشعرُ بغربةٍ مزدوجة؛ غربةِ المكان وغربةِ النفس.
في الجامعة كان كلُّ شيءٍ مختلفاً؛ الأساتذة، طريقةُ الحديث، اللهجات، الملابس، وحتى الصمتُ كان مختلفاً. شعرَ أحياناً أن عليهِ أن يُعيدَ تشكيلَ نفسه كي يستطيعَ البقاء، وأن يتخلى عن أشياءَ كثيرةٍ جاء بها من القرية؛ بعض الكلمات، بعض العفوية، وربما شيءٌ من براءته أيضاً.
تعثرَ كثيراً في بداياته. درجاتٌ ضعيفة، ارتباكٌ دائم، خوفٌ من الفشل، وشعورٌ داخلي بأن المدينةَ خُلقت لأناسٍ أكثرَ قوةً منه. وكانت فكرةُ ترك الدراسة تهاجمه بين فترةٍ وأخرى كوحشٍ خفي، خصوصاً في الليالي الطويلة التي يشعرُ فيها بأن الوحدةَ أكبرُ من احتماله.
لكنه كان يعودُ في كل مرةٍ ليحادثَ نفسه قائلاً:
"إن التفكيرَ باستحالةِ الأشياء ليس سوى طريقةٍ مهذبةٍ لتبريرِ العجز."
ومع مرور الأيام بدأ يكتشفُ وجهاً آخر للحياة؛ اختلاطاً لم يألفه، مشاعرَ جديدة، وأحلامَ يقظةٍ أخذت تتسللُ إلى روحهِ بهدوء. كان يشعرُ أحياناً أن الإنسان لا يكبرُ حين يتقدمُ في العمر فقط، بل حين يُجبرُ على مواجهةِ الأجزاءِ المجهولةِ في نفسه. لهذا صار يبحثُ عن العزلةِ بين حينٍ وآخر، عن مكانٍ هادئٍ يعيدُ فيه ترتيبَ فوضى أفكاره .وفي أعماقِ صمته، كان يسمعُ صوتَ أمِّه يأتيه من بعيد:
"لابد أن تتفوق… تذكرْ دائماً من أين جئت".
حينها فقط كان يفهمُ أن الإنسانَ قد يهربُ من الأمكنة، لكنه لا يستطيعُ الهربَ من جذوره.
فالجذورُ الحقيقية لا تسكنُ الأرض، بل تسكنُ الروح، وكلما ابتعدنا عنها، عادت لتنادينا بصوتٍ أشدَّ وضوحاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة


المزيد.....




- الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
- رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال ...
- قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و ...
- المغرب: نحو 30 شريطا سينمائيا في السباق ضمن النسخة السابعة م ...
- اصدار مجموعة متاهة الآلات النائمة عن دار العائدون للنشر وال ...
- ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: -مهدي بلا كويند- ...
- ما الذي يجعل مشهد -حصان طروادة- في فيلم -الأوديسة- مذهلاً لل ...
- -الجريمة 101-.. حين تعود هوليوود إلى أفلام الجريمة الهادئة
- -أصوات التراث-.. أول مهرجان روسي للأغنية السوفيتية في موسكو ...
- ظنوه خارجا من فيلم خيال علمي.. ما سر الراكون -جيموثي- الذي ح ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة