أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الانتظار الممتد














المزيد.....

قصة قصيرة: الانتظار الممتد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 13:44
المحور: الادب والفن
    


ليلٌ شتويٌّ طويل، يثقل صدره كأنه وُضع على كتفيه دون خيار. ليلةٌ يُدفع فيها ثمنٌ غير مرئيّ: ثمن الرجولة حين تُختبر في أقصى حدود الصمت، وثمن الحياة حين تُختزل إلى يقظةٍ لا تنام. العمر، في داخله، لم يعد يسير بل يتدحرج ببطء نحو أفولٍ لا مفرّ منه، كأنه يُجبر على مواجهة مصيره وهو في كامل وعيه.
يمسك ببندقيته، ليس كأداة حرب فقط، بل كامتداد ليده المتعبة. الظلام كثيف، يبتلع التفاصيل، ويحوّل الأشياء إلى ظلالٍ متشابهة. يحدّق بعينين مرهقتين، يحاول أن يفرّق بين حركةٍ عابرة وبين خطرٍ يختبئ في السكون. كل شيء هنا محتمل، حتى الصمت.
تتسلل إلى داخله أحاسيس فاجعة، تتناغم مع وقع خطواته الثقيلة فوق أرضٍ لا تعرف الرحمة. إطلاقات نار متقطعة، تكاد لا تنتهي، تتبعها قنبرة هاون تشقّ الهواء، تهزّ الأرض كأنها توقظ ما تحتها من رعب. يمتد صوت الانفجار في الفضاء بسرعة جنونية، يعبر فوق البيوت، ويعود إليه كارتدادٍ داخليّ، يهزّ أعماقه قبل أن يهزّ المكان.
- تُرى من فُجعت هذه الليلة؟
يسأل نفسه، دون أن ينتظر جواباً. ثم يحاول، كمن يهرب من ذاته، أن يزيح هذا السؤال عن مركز وعيه.
يصعد إلى النقطة المرتفعة، حيث البرجان. أحدهما مفتوح، يقف فيه جنديان ببنادق القنص كأنهما جزء من العتمة، والآخر مغطّى بواقيةٍ رأسية تتخللها مزاغل ضيقة، تراقب العالم من ثقوب صغيرة.
يُعدّل خوذته، يشدّ الدرع، يربط الحبال حول جسده؛ تلك الحبال التي لا تُستخدم فقط للتسلق، بل لربط الإنسان بواجبه كي لا يسقط من داخله. يتبادل كلمات مقتضبة مع زميله، حديثٌ عابر لكنه مشحون بثقل المهمة.
حولهم أصواتٌ لا تنام: نباح كلابٍ بعيد، صياح ديكةٍ يشقّ الصمت، هدير ماء النهر وهو يضرب الجرف الصخري بقوةٍ كأنه يحاول كسره. أصواتٌ لا تُطمئن، بل تزيد النفور، وتغرس في الداخل شعوراً غامضاً بعدم الانتماء.
- تُرى كيف حال منطقتنا بعد هذا الفراق الطويل غير المتوقع؟
لكن السؤال، كما لو أنه بابٌ مفتوح، يدفعه إلى الداخل لا إلى الخارج.
وبشكلٍ لا إرادي، ينزلق إلى الذاكرة.
يرى نفسه شاباً بين مجموعة أصدقاء، ضحكاتهم تملأ المكان، والكلمات تتقاطع بلا ترتيب. فجأة يدخل صاحب الدار، فيسود صمتٌ ثقيل، ثم يعود التظاهر بالانشغال: أحدهم يقلّب كتاباً، يقرأ بصوتٍ خافت لا يريد أن يُسمع، وآخر يتظاهر بالنعاس، وثالث يبدّل جلسته كمن يبحث عن مخرج.
ابن الرجل المسنّ يرتبك، كأنه يخشى أن يُفسد حضور أبيه ما كان يُعدّ له من “حرية مؤقتة”. الرجل ينظر إليهم جميعاً، يفهم ما يحدث دون أن يعلّق، يبتسم بصمت، ثم يطأطئ رأسه.
لم يبقَ إلا شابٌ واحد، متردّد، يبحث عن ذريعة للهروب أو البقاء.
- كيف حالك يا عم؟
- بخير… ولكن ألا تلحق بزملائك؟
- وهل أتركك وحدك؟
- لا عليك… أنا وحدي دائماً أينما كنت. صرت ثقيلاً على الأماكن، كأنني سجنٌ انفرادي. لو كان الأمر بيدي لغيّرت هذا كله.
يخرج الشاب مضطرباً، ثم يضحك فجأة، يفتح ذراعيه للهواء كمن تحرر من ضغطٍ غير مرئي. يضحك الآخرون.
- كيف استطعت إخراجه؟
- كنت أعرف أنه سيخرج… قلت له اذهب. أعرف نفسي جيداً… أنا ثقيل على الآخرين.
ثم، بصوتٍ أخفت، يضيف:
- لكني نادم… هو إنسان، والإنسان يحتاج الناس.
يقطع الشرود صوت باب العربة الخارجي وهو يُفتح بصعوبة، فيعود كل شيء إلى مكانه: الواقع يجرّه بعنف إلى الحاضر.
يبتعد أكثر. يحمل العظم الضائع في ذاكرته، لعبة الطفولة في ليالٍ مقمرة، حين كان الصبية بنين وبنات يغمضون أعينهم، ويبدأ البحث.
يمد يده في التراب، يتحسس الأرض، ثم يشعر بيدٍ أخرى تلامس يده. ترفع رأسه: إنها ابنة الجيران، رفيقة الطفولة.
- أنا وجدته!
- بل أنا… لكن خذيه، وقولي أمامهم إنك أنتِ من وجدته.
تبتسم الذكرى داخله، كجرعة خفيفة تخفف ثقل الليل.
لكن السؤال يعود:
- أهي سعيدة الآن؟
- ربما…
- وهل يؤثر غيابي عليها؟
يحاول إقناع نفسه بأن الوقت كفيل بكل شيء، وأن الذاكرة تُستبدل مع الأيام. يهزّ رأسه كمن يطرد فكرةً لا يريد الاعتراف بها.
- انتبه… راقب النهر جيداً.
- نعم… نعم.
لكن الذاكرة لا تطيع الأوامر.
حقولٌ تمتد بلا نهاية، فلاحون يعرفون بعضهم بلا أسماء رسمية، سباحة الصيف حين كانت الشمس تحرق الجلد والضحك يطفو فوق الماء. نظرات سريعة كانت تُخفى ثم تُكشف، وقلوب صغيرة كانت ترتبك دون أن تفهم السبب.
ثم لحظة الرحيل الأولى… حين تأخر في البيت، وكأن قلبه كان يماطل الخروج. لم يعرف ماذا يفعل، كان يريد أن يراها قبل أن يغادر، لكنها لم تأتِ. أو ربما جاءت ولم يرها.
أمّه تبكي، واليدان تسحبه، والبيت يبتعد، وهو يلتفت خلفه. وهناك… كانت تقف، تضع كفيها على وجهها، كأنها لا تريد أن ترى ما يحدث، أو لا تصدق أنه يحدث.
ثم اختفت المسافة بينهما شيئاً فشيئاً… حتى صارت ذاكرة.
- هل جاءها الخطّاب؟
- لا… لا… يرفض الفكرة فوراً.
صوت الآمر يقترب، تعليمات صارمة، واجب، التزام، لا مجال للتراجع. كلمات تتكرر كأنها تُعيد تشكيل العالم من جديد.
يقارن داخله دون أن يتكلم: بين ما يُطلب منه وما يُمنح له، بين الحقوق والواجبات، بين الإنسان وما يُراد له أن يكونه.
يدرك أن الكلام خطر، وأن الصمت هو النجاة الوحيدة الممكنة هنا.
في داخله يتراكم الحزن، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح ثقيلاً كالعمر نفسه. يهرب إلى أعماقه أكثر، كمن يحاول أن يحفر في ذاته طريقاً للنجاة من هذا الانتظار الذي لا ينتهي.
ثم يعود الليل من جديد… كما لو أنه لم يغادر أبداً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية


المزيد.....




- يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد ...
- كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم ...
- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...
- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
- رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
- غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية - ...
- لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر ...
- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الانتظار الممتد