أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام














المزيد.....

قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 16:21
المحور: الادب والفن
    


توسعت مدنُ الانتظار، وضاقت مداراتُ الأمنياتِ، وتاه القمرُ في شوارعها، وهو يبددُ أرقَ الأشجار في دروبها الحزينة، فيمشي بلا حبيبٍ في أزقةِ الحنين، يرسمها تحت جفنِ الحلمِ الشفيفِ قصيدة، عنوانها، نجمٌ حزينٌ حروفها لآلاء، وحينما تحاصره بطيفها يستشعرُ بأنه يسمعُ ألحانَ أبياتها, تبدأ تتداخلُ خطواته مع الحقيقة، ثم يهربُ منها، إذ يجدُ راحته في عالمِ الأوهام، القابعةُ تحت جفونِ النجومِ الحزينةِ.
- من تكونْ؟
كَوَابِيسٌ تحاصرُ خياله، تحرمه من طعمِ تلك الأوهام، تصورُ له أحلامه البريئةَ كأنها خطايا فخمةِ تكتمُ أنفاسه، لذا أخذ يستسلمُ لصمتِ الصراعِ، بين واقعِ القلبِ وحقيقة العقل، ليصيحَ بهمسِ الكلماتِ المتكسرةِ على أبواب الشفاه، والصمتُ يَرْتَدُّ بالحسراتِ في سماءِ المجهول.
- أنه قدري.
وَالشَّكُّ يبحثُ عن شكٍّ آخر ليضمنَ دوامَ الخيبات، بعدما التقى بعالمِ لا يعترفُ بالطيبةِ، حتى وإن أهدى للروحٍ شقيقاً محملاً بِهنَيْهَات الجمالِ، بعد فواتِ الجنونِ.
- آه، كم طالت سنينُ الانتظار، وقصرَ عمرُ براعمُ الأيامِ الأخيرة.
يتربعُ على عرشِ مملكةِ النار، ما بين خوفٍ أو هروبٍ نحو الكلمات كي يملأ السطورَ ويمزقُ الأوراق، أو يتلظى يبحثُ عن مخرجٍ لدى ذلك الطيفَ الذي يسكنُ في بقعةٍ في أطراف الأرض، عسى أن ينتشله من توالي السقوط، لعله يعيشُ على أملٍ مسجى على مقصلةِ القتلِ الرحيم، يغوصُ في العيونِ التي تصورها له مخيلته، يبحثُ عن مرسى آمن، فيستعيرُ أجنحةَ فراشةٍ، كي يطوفَ في أَرْجَاءِ ذلك الجسدِ الأثيري الذي طالَ انتظاره.
يقفُ على بابِ القاعةِ الطويلةِ التي بدأ يلفها الظلامُ كلما هبطَ قرصُ الشمسِ المشدودِ في الهواء، وما زالَ العقلُ يدعي بأنه على قيد الحياةِ، والقلبُ يخططُ للقصاصِ منه، فيزدادُ الخوفُ في دواخله، إذ يقعُ نظره على سربِ طيور تسبحُ في الفضاء، كأنها تلامسُ ذلك القرصَ، ثم تسرعُ مبتعدةً تستكشفُ أوكارها قبل المغيب، فيتمنى أن يتقمصَ ذلك الجنونَ، كي يعيشَ سعيداً بلا ذاكرةٍ ليومِ غدٍ، مبتورُ الخوفِ في أعماقه.
يأوي إلى فراشه قبل أن يتلاشى آخرُ خيطٍ من خيوطِ النور، وصوتُ صريرِ البابِ الذي أحكم إغلاقه يدخلُ في المسامعِ، بموسيقى صاخبة تصمُ الآذانَ، يشعرُ بأنها تأخذ وقتاً أكثر مما تعودَ عليه، يجلسُ وركبتاه تكادُ تلامسَ مقدمة رأسه من شدةِ البردِ، تكادُ تلتهمُ أشلاءه المكومةَ على الفراشِ البالي والأغطيةِ القديمةِ والخشنةِ الملمس، أفكارٌ عميقةٌ تدورُ في مخيلته، تشعره بوجوده ككائنٍ يشغلُ حيزاً لحدِ اللحظةِ التي هو فيها، إلا أن الظلمةَ تبتلعه وتخرجه من دائرةِ الأفكارِ المتوقدة، وأخذ الخوفُ من مجهولٍ يداهمه، ينخره ليجلسُ مسلوبَ الإرادة، فشرع يرددُ ابتهالاتٍ وأدعية مأثورةٍ حضرته كان قد حفظها في صباه، يصورُ في رأسه أَحْدَاثًا مأساويةً يحاولُ التعايشَ معها, يستجدي الثباتَ فيعاكسها بقلبٍ يتخيله قوياً صلباً, ثم يجاريها في نهايةِ المطافِ بعدما يشعرُ بتلاشي تلك القوة التي تسكنُ الأحشاء.
ومخلوقاتٌ غريبةٌ تتراقصُ أمام عينيه، تتقدمُ نحوه بعيونٍ متوامضةٍ، تجتاحه، ينظرُ حوله بارتياب، فيشعرُ كأنه غابَ عن العالم، كأنه في هوةٍ بلا قرار، يسبحُ في الفراغ، يتكلمُ ولا يسمعُ صدى الكلمات، يضعُ يده فوق فمه كي يتأكدَ من أن ينطقَ اللسانَ.
- ترى هل هربت الكلماتُ نحو أماكن أكثر أمنا؟
يحاولُ الثبات من جديد، إلا أن الخوفَ أخذ منه أكثر، إذ تجمدت قدماه من شدةِ البردِ والخوفِ معا، فيجدُ نفسه قد تحولَ إلى جمادٍ، ما عدا نبضاتُ القلبِ التي بدأت تضربُ القفصَ الصدري من الداخل، والعقل يذوبُ في العالمِ المجهول.
تمرُ الدقائقُ كأنها تمددت لتتحولَ إلى ساعاتٍ، وأمواجُ الحيرةِ تجتاحه، إلا أنّ أفكاراً غريبةً بدأت تغزوه، فتتلاشى معها الصراعاتِ كلها منذ الولادة، كذلك الأكاذيبَ التي تُنسجُ في وضحِ النهار كلَّها، والبدء كذلك في البحثِ في الوهمِ عن الاستقرار.
- لا للنسيان.
يرسمُ طيفَها أمامه، وتجمعتْ شجونه تملأ المكان، ودفاترُ الذكرياتِ تتلونُ بلونِ تلك الأشجان، يقتربُ طيفها أكثر، تتلمسه، لذا أخذ يجربُ النهوضَ، فكأنها أسقته من ماءِ الحياة، يهذي بتلك الحكاياتِ التي نسجها في مخيلته، لذا استطاع أن ينهضَ أخيراً في وسطِ الظلامِ، كأن هنالك قوةٌ خفيةٌ أزاحت الخوفَ منه، يشتمُ عبيرها، لذا أخذ يمشي ويتخيلُ من دونِ أن يفكرَ في بقايا أثرٍ من خوفٍ على قسماتِ وجهه، فالظلامُ يغطي ما يخشى منه، حتى وإن سَمِعْت همسه تلك المخلوقاتُ الغريبة فلن تجدَ مكانه، وبدأ يواصلُ رحلته مع الأوهامِ في جسدِ الليالي، كي يضمنَ بقاءَ القلبِ حَيًّا في نهايةِ الدربِ الطويل، في رحلةِ صحراءِ العمرِ القاحلة، يتبعُ صوتَ دواخله، وخريراً من أوهامٍ نسجتها مخيلته، بعيداً عن التلاشي، بعيداً عن المكانِ الذي يأوي فيه الألمُ ومواطنُ المللِ والرتابة، مقتحماً دهشةَ العمرِ المتبقية، بضجيجٍ ذي صدى واهنٍ، فيملأ قَارِب الشوقِ دموعاً من النزرِ الذي لا زالت تتمسكُ به منابعَ العيون، ليكونَ بحيرةٌ من صنعِ الاحتواء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى


المزيد.....




- روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم ...
- روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة
- صالون السينما السعودية المستقلة: مبادرة تنطلق من باريس تعكس ...
- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...
- بوتين يوجه بحزمة إجراءات لدعم اللغة الروسية وتعزيز مكانتها ع ...
- موسم مسرحي حافل بالعروض الأولى في موسكو
- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام