أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة














المزيد.....

قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 00:59
المحور: الادب والفن
    


يجلس ذلك الرجل الذي صعد سلّم العمر إلى الستينيات، مائلاً رأسه الأشيب على كفّه اليمنى، ينتظر عودة التيار الكهربائي الذي انقطع منذ ظهيرة ذلك اليوم التموزي اللاهب. كان المولد الأهلي قد أصيب بعطل سيستمر أياماً، وكانت أصوات العمال تصل إليه وهم يحاولون فكّ غطاء بدنه، تلك الأصوات التي تخترق جدران داره المتواضعة كأنها تنبش في جمجمته.
ما إن بدأ العرق يتدفق من جسده المنهك، حتى أخذ يحاول الهروب من مكانه الحالي، يبحث في خبايا الذاكرة التي دفنها التراب، ودهاليز النسيان التي أغلقها الزمن. مسح جبهته بكفّه الأخرى، لكن كثرة التعرق زادت اضطرابه، ذلك الاضطراب الذي يتضاعف مع كل انقطاع للكهرباء، كأنه فقد نبض الحياة نفسه.
تصاعدت أصوات العمال في رأسه، واختلطت بصراخ الأطفال الذي صار أكثر حدّة من المعتاد، ربما لأن مبردة الهواء توقفت عن الدوران، واختفى صوت زمجرتها المألوف وحفيف هوائها الذي يخفف من وطأة الحر.
في تلك اللحظة شعر كأن جسده يذوب في فراشه الأرضي، ويتحول إلى بخار يصعد نحو سقف الغرفة. وفجأة وجد نفسه يسير في درب ترابي خارج حدود قريته، لا يعرف إلى أين يمضي. الحر اللاهب الذي كان يتذمر منه أصبح الآن رفيقاً في رحلته الغريبة. كان يرتدي دشداشته الصيفية ونعاله البلاستيكي المهترئ، وينظر بين الحين والآخر خلفه، فيرى قريته تتلاشى كسراب، حتى لم يعد يرى سوى بصمات حذائه على التراب وذرات الغبار العالقة بمقدمة نعاله المفتوحة.
أمامه بدأ الماء يلوح في الأفق. وكلما تقدم نحوه بدا أقرب، فسارع الخطى عسى أن يصل، لكن التعب أخذ يتسلل إلى جسده شيئاً فشيئاً حتى أوشك أن ينهار. جلس على صخرة كلسية على جانب الطريق، وأدار ظهره للأشعة المحرقة، وغرس رأسه بين كفيه.
أحسّ بظل يرتسم إلى جواره. رفع بصره فرأى شاباً يقف أمامه، يشبهه في ملامح شبابه، بلا تجاعيد أو شيب، منتصب القامة، ينظر إليه بنظرة تمزج بين الشفقة والعتاب.
سأله الرجل بارتباك:
- من تكون؟
أجابه الشاب بابتسامة باهتة:
- أنا الذي رسمتَ حياته بالخطأ.
- لم أفهم.
قال الشاب بامتعاض:
- كان يمكنك أن ترسمها بغير هذا الاختيار. كنت تستطيع أن تختار الطريق الأقصر، وألا تدع الفقر يحدد مصيرك، وألا تبحث عن المدنية حيث لا توجد فرص حقيقية.
- لكنني أردت أن أكون حراً.
قهقه الشاب بصوت عالٍ، ثم قال بسخرية:
- وهل صرت حراً بالفعل؟ أنت هنا، جالس في قريتك المنعزلة، تنتظر كهرباء لا تأتي، وتحلم بماء لا يصل. أهذه هي حريتك؟
هزّ الرجل رأسه موافقاً، وأخذ يفكر في إجابة، لكن الشاب لم يمنحه فرصة، وأكمل:
- الحرية أن تختار الطرق الأصعب لتكون، لا أن تبقى معلقاً بين الحياة والعدم. الحرية أن تواجه العالم، لا أن تهرب منه إلى وهم الأمان.
تعجب الرجل من هذه الكلمات، وحاول أن يجد شيئاً يقوله، لكن الشاب التفت ومشى نحو الماء المرتسم أمامه. تابع الرجل خطاه بعينيه، فرآه يمشي على سطح الماء دون أن تبتل قدماه، وكأنه يمشي على صفحة من زجاج. ثم بدأ الشاب يتلاشى، يذوب في الضوء الأبيض المنبعث من سطح ذلك الماء، ويختفي كما تختفي الأحلام عند الفجر.
عندها عاد الرجل إلى نفسه، وإذا به لا يزال جالساً في مقعده، والعرق يبلل جبينه. سمع صوت المولد الأهلي يعود إلى العمل، والأضواء تضيء من حوله، لكنه شعر باختلاف ما، كأن بصمة الشاب بقيت على كتفه تهمس له:
"الحرية ليست مكاناً تصل إليه، بل طريقة تعيش بها."
نهض الرجل ببطء. كانت الكهرباء قد عادت، والمبردة تدور من جديد، لكنه مدّ يده إلى المفتاح وأطفأ الضوء. جلس في العتمة مبتسماً، كأنه يخشى أن يبدد النور ذلك الشاب الذي مرّ قبل قليل فوق صفحة الماء.
وفي الخارج كانت أصوات العمال تتلاشى شيئاً فشيئاً، بينما ظلّ في داخله صوت واحد لا يغادره، يأتي من زمن بعيد، ويزداد وضوحاً كلما ابتعد.
أغمض عينيه، فرأى الطريق الترابي يمتد من جديد، ورأى بصمات خطواته القديمة وقد محتها الريح إلا واحدة، بقيت راسخة على حافة الماء. عندها أدرك أن العمر لا يُقاس بما مضى منه، بل بما يبقى قادراً على إيقاظه في الروح.
فابتسم للظلام، بينما كان ظلّ الحرارة ينسحب عن قلبه ببطء، تاركاً مكانه لنسمة خفيفة لم يعرف إن كانت آتية من نافذة الغرفة أم من ذلك الزمن البعيد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان


المزيد.....




- محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات ...
- يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع ...
- افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف ...
- خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ ...
- موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات ...
- من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ ...
- لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع ...
- زاخاروفا: روسيا تحافظ على إرث الثقافة الغربية باعتباره جزءا ...
- المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس ...
- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة