أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: من تكون؟














المزيد.....

قصة قصيرة: من تكون؟


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 14:04
المحور: الادب والفن
    


في الساعات الأولى من ليلةٍ ربيعيةٍ هادئة، وقف على حافة التلال المطلة على السهل الأخضر، حيث يمتد نهر دجلة في رحلته الأزلية نحو الجنوب، كأنه يمضي إلى موعدٍ يعرفه وحده. كان الليل قد بسط عباءته على المكان، ولم يبقَ سوى خيوطٍ واهنة من ضوء القمر تتسلل بين غيومٍ متناثرة، فيما كانت نسمات الهواء تحرك أطراف ثيابه بخفةٍ تكاد تشبه الهمس.
وقف هناك وحيداً، لا يفكر في شيءٍ محدد، ولا يستطيع أن يتوقف عن التفكير في كل شيء. كان يشعر أنه عالق بين زمنين؛ زمنٍ عاشه حتى التشبع، وزمنٍ يتمنى أن يأتي قبل أن يخذله العمر.
أنصت إلى نقيق الضفادع القادمة من ضفاف النهر، وإلى حفيف الحشرات التي اتخذت من الأشجار القريبة موطناً لها. بدت له تلك الأصوات وكأنها إعلانٌ خفي عن انتصار الحياة على الفناء.
قال في سرّه:
- ما أعجب هذه المخلوقات... أعمارها أقصر من أحلامنا، ومع ذلك لا تكف عن الغناء للحياة.
ثم أجاب نفسه:
- أما أنت، فكم من العمر أضعت في انتظار حلمٍ لم يكتمل؟
هز رأسه مبتسماً بحزن، وشعر أن وطأة الأيام الأخيرة بدأت تخف قليلاً. فجأةً، اختفت المسافات بينه وبين تلك التي لم يرها سوى مرةٍ واحدة، لكنها استطاعت أن تستوطن ذاكرته كما تستوطن الأشجار ضفاف الأنهار. عادت صورتها من اللامكان، عادت دون استئذان، عادت كما تعود الأغاني القديمة حين تظن أنك نسيتها.
كانت لحظاتٍ عصية على المقاومة، تتشابك بخيوط الروح، وتأخذه إلى أماكن لا يعرفها، ولا يعرف كيف وصل إليها. هناك، حيث تتجاوز الأرواح حدود الجغرافيا، وتتسامى فوق قوانين الزمن، يصبح الخيال أكثر صدقاً من الواقع، وتصبح الأمنية وطناً مؤقتاً لمن أنهكته المنافي.
تذكر غرفته الخارجية؛ كتبه المبعثرة، أوراقه المتراكمة، أعقاب السجائر التي كانت شاهدة على ليالٍ طويلة من الوحدة. كم مرة جلس هناك يحاول أن يقنع نفسه بأن العقل أكثر حكمةً من القلب؟
- انصت إلى العقل، كان يقول لنفسه.
لكن القلب كان يجيبه دائماً:
- وهل للعاشقين آذانٌ تسمع غير نبضاتها؟
في لحظة صفاءٍ نادرة، استعاد شريط حياته الطويل. رأى سنوات الحروب تتقاطر أمامه كأوراق الخريف. عقدان من الزمن أمضاهما بين هزائم وانتصارات مزعومة في لغة الخرائط العسكرية، حتى اختلطت عليه معاني النصر والخسارة. كم من الوجوه غابت؟ كم من الأحلام دُفنت؟ وكم من الأعمار سُرقت دون أن تجد من يرثيها؟
أغمض عينيه، وأخذ يعيد كتابة انكساراته بالقلم، كمن يحاول ترميم ذاكرةٍ تتداعى. وهناك، عند إحدى زوايا الذاكرة، توقفت الأيام. عند تلك اللحظة بالذات، لحظة تقاطعت فيها النظرات، لحظة تسارعت فيها نبضات القلب، لحظة غاب فيها العالم كله، ولم يبقَ سوى حضورها.
قال لنفسه:
- أكان ذلك حباً؟
فأجابه قلبه:
- لو لم يكن كذلك، فلماذا ما زلتَ هنا بعد كل هذه السنين؟
سكت طويلاً. كانت شيخوخة الشعر الأبيض قد استقرت فوق رأسه، لكن شيئاً في داخله ظل شاباً، يرفض التصالح مع قوانين العمر. لذا راح يفتش في قوافي الصمت عن بدايةٍ جديدة، وعن جسرٍ يمتد فوق هوة البعد السحيقة. كان ينسج حكايات عشقٍ متخيلة، وما إن ينتهي من واحدةٍ حتى يبدأ بأخرى، وكأن الخيال أصبح طريقته الوحيدة لمقاومة الغربة.
وحين عاد إلى سريره الخشبي، شعر بأن الوحدة تتمدد في أرجاء الغرفة. همس بصوتٍ خافت:
- ماذا أفعل؟ والغربة تخنقني من الجهات كلها.
ثم أضاف:
- أأسافر؟
- وإلى أين؟
- إلى حيث تكون.
- وهل تعرف أين تكون؟
- لا.
- إذن ماذا ستفعل هناك؟
- ربما أجد نفسي.
ظل هذا الحوار يدور داخله كدولابٍ لا يتوقف. تخيلها خلف شرفاتٍ مزينة بالزنبق، بعينين ضاحكتين تستقبلانه كما تستقبل الأرض أول قطرة مطر. شعر أن روحه تنتعش، وأن انتظار السنوات الطويلة يتراجع قليلاً.
رآها واقفة أمام المرآة، تمشط شعرها المنساب إلى خصرها، تتأمل ملامحها الشاحبة، ثم تبدل أقراطها، وتفتح هاتفها على أغنية قديمة:
"أنساك... ده كلام."
ابتسم رغم نفسه.
- وهل يمكن للروح أن تنسى ما استوطنها؟
سأل نفسه. فأجابه صمته الطويل:
- بعض الأشخاص لا يغادروننا، حتى وإن غابوا.
عندها أخذته الأمواج البعيدة من الذكريات إلى أولى متاهات القلب، إلى الطرق التي تبدأ بحلمٍ صغير وتنتهي بعمرٍ كامل من الانتظار. رفع رأسه نحو الأفق المظلم، وقال:
- إلى أين المفر يا درب الغروب؟
كان الدخان الذي خلفته الحروب قد تبدلت ألوانه، لكن آثاره لم تغادر الأرواح. ومع ذلك، كان يشعر أن وراء الأفق زمناً آخر، زمناً أقل قسوة، وأكثر رحمة. زمناً يعود فيه الإنسان إلى نفسه، وتعود الطمأنينة إلى قلبه، وتجد الروح مرفأها الأخير. هناك، حيث تستريح الأحلام من عناء الركض، وتصان أسرار النظرات، ويحتمي الشوق من قسوة الغياب.
عندها فقط، امتطى صهوة القصيدة من جديد، وغمس الحناء في ضفائر النهار، وراح يخط لها الأشعار كما لو أنه يكتب للمرة الأولى. ولم يعد يسأل:
- من تكون؟
بل صار يسأل:
- أي سرٍ جعل حضورك أكبر من الغياب؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي


المزيد.....




- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم
- مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا ...
- تريتياكوف يجمع أشهر روائع بوريسوف-موساتوف في معرض استثنائي ( ...
- كيف أعاد حفل -لايف إيد- صياغة مفهوم العمل الخيري العالمي؟
- بصورة من الكواليس.. الليث حجو يوقظ حنين الجمهور إلى -الخربة- ...
- فنانة مصرية تثير الجدل بتصريحاتها.. وتعتذر بعد هجوم واسع
- افتتاح مهرجان دينيس ماتسويف للموسيقى الكلاسيكية في سوزدال بم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: من تكون؟