أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الراعي















المزيد.....

قصة قصيرة: الراعي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 14:37
المحور: الادب والفن
    


وُضعت دكة حجرية صغيرة عند الضفة الغربية للنهر، تحت شجرة توت عتيقة تمد أغصانها فوق الماء كأمٍّ حنون تبسط ذراعيها لأبنائها. كان النهر في نيسان ممتلئاً بالحياة، متدفقاً بقوة حتى يصعب على الغريب أن يصدق أنه ذات النهر الذي يضيق مجراه ويخفت صوته مع بدايات الخريف.
من هناك كانت عشتار تجلس كل مساء. كانت القلعة خلفها شامخة بأسوارها وأبراجها العالية، بينما تمتد أمامها التلال الخضراء والأكواخ الصغيرة المبعثرة كحبات قمح نثرتها يد فلاح كريم. وكانت تحب مراقبة الغروب وهو يسكب ألوانه فوق السهول، لكن شيئاً آخر صار يستوقفها منذ مدة، راعي الأغنام. ذلك الشاب الذي يهبط كل مساء من التلال البعيدة، تتبعه أغنامه البيضاء كما تتبع الغيوم ظلها. لم يكن يحمل سيفاً ولا تاجاً، ولم يكن ابن بيت عريق، لكنه كان يملك شيئاً لم تجده في قصور الملوك ولا في مجالس الحكماء، كان يملك الطمأنينة.
وذات مساء، حين اقترب من النهر ليسقي قطيعه، التقت عيناه بعينيها. ابتسم، فشعرت أن شيئاً خفياً تحرك في داخلها. ومنذ ذلك اليوم صار اللقاء يتكرر، يجلسان عند الضفة نفسها، يتبادلان الحديث عن أشياء تبدو بسيطة، لكنها كانت تفتح أبواباً واسعة في القلب.
قالت له يوماً:
- ما الذي يجعلك سعيداً يا تموز؟
أجاب وهو يرمي حصاة في الماء:
- أن أستيقظ فأجد الشمس في مكانها، وأن تعود أغنامي في المساء دون أن أفقد واحدة منها.
ابتسمت.
- أمن أجل هذا فقط يعيش الناس؟
نظر إليها متعجباً:
- وأي شيء أعظم من أن يعود الإنسان بما يحب سالماً؟
هزت رأسها.
- أنت بسيط جداً.
ضحك قائلاً:
- وربما أنتم معقدون أكثر مما ينبغي.
كان حديثه يربكها، لم تعتد أن تجد الحكمة في فم راعٍ. لكن مع الأيام تمددت المسافة بينهما في الاتجاه المعاكس؛ كلما اقتربت الأجساد، تراجعت الفوارق التي صنعتها الطبقات والألقاب والأسوار.
كانت عشتار تشعر أنها تخرج من جلدها القديم. أما تموز، فكان يرى فيها عالماً لم يعرفه من قبل.
قال لها ذات مساء:
- أخبريني، هل يشعر سكان القصور بالوحدة؟
نظرت إليه طويلاً.
- أكثر مما تتصور.
- إذن لماذا يبنون الأسوار؟
أطرقت برأسها.
- لأنهم يخشون ما خلفها.
- أم يخشون ما بداخلهم؟
لم تجد جواباً.
صار الحب ينمو بينهما كما تنمو الأشجار قرب الماء، هادئاً، عميقاً، دون ضجيج. وحين سألته يوماً:
- ألا تخشى أن يبتلعك هذا الحب؟
ابتسم.
- أخشى أن أمر بالحياة من دونه.
- وإن كان طريقه مليئاً بالألم؟
- الألم باب، أما الحب فهو البيت.
سكنت كلماته في قلبها، وأدركت أن هذا الراعي يعرف من أسرار الروح أكثر مما يعرفه كثير من الحكماء.
لكن الحب، مهما كان صادقاً، لا يعصم أصحابه من الخوف. لذا بدأ الخوف يتسلل إلى عشتار ببطء، لم تكن تخاف الفراق، بل كانت تخاف الاعتياد. كانت تريد للحب أن يبقى متوهجاً كما في بدايته، أن يبقى تموز ينظر إليها كما ينظر العطشان إلى النبع الأول.
وفي إحدى الليالي وقفت أمام نافذتها، تتأمل القمر المنعكس على الماء، وسألت نفسها:
- هل يمكن للشغف أن يبقى إلى الأبد؟ هل تبقى الدهشة حيّة بعد أن يصبح الحلم حقيقة؟
ظل السؤال يتردد في داخلها كصدى بعيد.
مرت الأيام، وأخذت تلاحظ أشياء صغيرة، لحظات شرود في عينيه، صمتاً أطول من المعتاد، نظرات تمضي نحو الأفق ثم تعود. وذات مساء سألته:
- بماذا تفكر؟
قال بعد تردد:
- بالطريق.
- أي طريق؟
- لا أعرف... ربما الطريق الذي لم أمشِ فيه بعد.
ارتجف قلبها:
- وهل ضاقت بك الطرق التي تمشيها؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
- الإنسان لا يضيق بالمكان، بل بما اعتاده.
شعرت أن الكلمات أصابتها في موضع لم تكن تعرفه.
- وهل أصبحتُ عادة؟
رفع رأسه نحوها.
- لا.
ثم سكت، وكان صمته أوجع من الجواب. ومنذ ذلك اليوم صار الشك يجلس بينهما، لا يُرى، لكن وجوده محسوس .كانت تحاول أن تقترب أكثر، وكان هو يحاول أن يتنفس أكثر. هي تخاف أن تفقده، وهو يخاف أن يفقد نفسه.
وفي مساء مضطرب قالت له:
- أتحبني؟
ابتسم.
- نعم.
- إذن لماذا أشعر أنك تبتعد؟
ظل صامتاً لحظات، ثم قال:
- لأن الحب يا عشتار جعلني أراك أكثر... وجعلني أرى نفسي أيضاً.
- وما الذي رأيته؟
- رأيت راعياً كان يظن أن الوصول هو نهاية الطريق، فاكتشف أن الطريق يبدأ بعد الوصول.
حدقت فيه طويلاً.
- وهل أصبحت أنا الطريق؟
- بل أصبحتِ المحطة التي تعلمت عندها أن أبحث عن طريقي.
شعرت أن شيئاً انكسر داخلها، ليس لأنه لم يعد يحبها، بل لأنه بدأ يحب شيئاً آخر أيضاً: حريته.
في تلك الليلة لم تنم، راحت تتجول في أروقة القصر الطويلة، وتدرك شيئاً فشيئاً أن الحب لا يموت حين يقل الشغف، بل حين يحاول أحد الطرفين أن يحتفظ بالآخر كما يحتفظ بصورة معلقة على الجدار.
وعند الفجر اتخذت قرارها، أن تبتعد، لا لتختبره، ولا لتعاقبه، بل لتختبر نفسها.
غادرت القلعة، وتركت خلفها كل شيء، الأسوار، الألقاب، الذكريات. ومضت في رحلة طويلة داخل ذاتها.
مرت مواسم كثيرة، تبدلت ألوان الحقول، وجاءت أمطار ورحلت أخرى، وتعلمت عشتار أشياء لم تعلمها القصور. تعلمت أن الحب ليس امتلاكاً، وأن القلوب لا تُحرس بالأسوار، وأن أكثر ما يؤذي الإنسان أحياناً ليس الفقد، بل خوفه المستمر من الفقد.
وحين شعرت أنها أصبحت أخف من مخاوفها، قررت العودة. كان الغروب ينسج خيوطه الأخيرة فوق النهر حين وصلت، بدت الأشياء كما تركتها تقريباً. الشجرة، الدكة الحجرية، الماء، حتى الريح كانت تحمل الرائحة ذاتها.
جلست في مكانها القديم، وأخذت تنظر إلى الضفة الأخرى. وفجأة رأته، كان واقفاً هناك، وحيداً، هادئاً، كما كان دائماً. لكن شيئاً فيه تغير، وربما كانت هي التي تغيرت.
تلاقت عيناهما. ولم يتحرك أحد، لم يلوح لها، ولم تلوح له. كان بينهما نهر كامل من الأيام، وبينهما مسافات لا تقاس بالأقدام. ظل كل منهما ينظر إلى الآخر بصمت، صمت يشبه الاعتراف، لا عتاب فيه، ولا شكوى، ولا ندم.
فهمت عندها أن بعض البشر لا يغادرون قلوبنا أبداً، حتى حين يغادرون حياتنا. وفهمت أيضاً أن الحب لا يُقاس بمن يبقى، بل بما يتركه فينا من أثر.
رفع تموز رأسه نحو السماء، وفي اللحظة نفسها عبر فوق النهر سرب من الطيور المهاجرة، كانت الطيور تتجه نحو أفق بعيد، تتبع حدسها، ولا تلتفت خلفها. راقبتها عشتار حتى ابتلعتها المسافة، ثم أعادت نظرها إلى الضفة الأخرى. لكن تموز لم يكن هناك، لا تعرف إن كان قد رحل فعلاً؟ أم أن الغروب أخفاه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ونزعت زهرة برية من شعرها، تأملتها لحظة، ثم ألقتها في الماء. دارت الزهرة فوق سطح النهر قليلاً، ثم حملها التيار بعيداً، بعيداً جداً. أما النهر فظل يجري، يجري كما كان دائماً. كأنه يعرف أن بعض الأحبة لم يخُلِقوا ليصلوا إلى النهاية معاً، بل ليمنح أحدهم الآخر معنى الطريق.
وبينما كانت آخر خيوط الشمس تغيب خلف الأفق، شعرت عشتار أن قلبها صار أخف من ذي قبل، نهضت بهدوء، ومشت، لا نحو القلعة، ولا نحو الضفة الأخرى، بل نحو الأفق المفتوح، حيث لا أحد يملك أحداً، وحيث يصبح الحب ذكرى مضيئة لا قيداً، وحيث يتعلم الإنسان أن أجمل ما في بعض اللقاءات أنها، مهما انتهت، تترك في الروح نهراً لا يجف.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء


المزيد.....




- رئيس الوزراء اللبناني يشكر أردوغان على إهدائه الترجمة التركي ...
- الممثل السوري بشار إسماعيل: أحب وأدعم الرئيس الشرع ولو اتهمت ...
- -كنت العين التي قاومت المخرز-.. نقيب الفنانين السوريين مازن ...
- من النزوح إلى المسرح.. كيف تحولت حكايات الناجين من غزة ولبنا ...
- الروايات الإعلامية تجبر على نقل مشهد مختلف من إيران
- مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.. فنان وشم يطرح حلًا لمن لا ...
- خميس مليانة تحتضن الطبعة الأولى للأيام الوطنية للفيلم القصير ...
- زعيم صرب البوسنة يدعو لإلغاء منصب الممثل السامي للبوسنة واله ...
- من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال ...
- أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الراعي