أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مصاب أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: مصاب أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


لم يغادرها الحزن لحظة واحدة، وكأنه عقد معها عهداً أبدياً على البقاء، يأبى أن يفارق ملامحها أو يمنح عينيها هدنة من البكاء. صارت تتحدث عبر صمتٍ طويل، كأن اللغة نفسها خانتها، فاختبأت الكلمات في صدرها ورفضت الخروج، لتستعيض عنها بدموعٍ تنحدر كجدول وجعٍ لا ينقطع.
فقدت ولديها، كل في حادثٍ لا يشبه الآخر، وكأن القدر أراد أن يضاعف انكسارها ليؤكد أن الحزن قادر على التوالد بلا نهاية. ثم أُضيف إلى وجعها فقدٌ آخر، فتركت لها الحياة أعباءً ثقيلة: أرامل وأطفال صغار، ومسؤولياتٍ تتكدس على كتفين نحيلتين، تدير بها ما تبقى من عمرٍ يشبه الرماد.
ذلك هو الحزن الصامت؛ لا يُقال ولا يُشفى، بل يُحفر في جدران القلب كما يُنقش الأسى على الصخر. لا دواء له ولا مهرب منه، لأنه وجعٌ يتكلم بلغة العجز. وكانت تعيش صراعاً داخلياً لا يهدأ، كحربٍ غامضة لا تُرى فيها ملامح العدو من الصديق، حرب بين العقل والقلب، لا يلبث فيها الانتصار أن يتحول إلى هزيمة.
لم يبقَ لها سوى خيط أملٍ واحد: ابنها الأصغر مالك، الذي يعمل في محافظةٍ أخرى، يرسل بين حينٍ وآخر ما يسد رمق الأيام. كان يتصل بها يومياً، يملأ فراغها بصوته، ويزرع في صوتها بقايا حياة، ويقترح أن يجمعهم في بيتٍ واحد لتخفيف أعباء العيش. وبعد إلحاحٍ طويل، رضخت الأم، فاستأجر بيتاً واسعاً، واشترى سيارةً بالأقساط ليعمل عليها بعد دوامه.
لكن قلب الأم لا يخدع. فالحواس التي أنهكها الفقد تصبح أكثر يقظة من المنطق. كانت تشعر بظل ثقيل يقترب، وبصوتٍ داخلي يهمس أن شيئاً جللاً يتربص بالطريق. كانت تنفض تلك الهواجس بعنف، كمن يحاول طرد قدرٍ من جذوره، لكنها في أعماقها كانت تعلم أن قلب الأم لا يخطئ إنذاراً.
وحدث ما كانت تخشاه؛ اصطدمت سيارة مالك بسيارةٍ أخرى، وفاضت روحه إلى بارئها.
وفي أول أيام العيد، حملت نفسها إلى المقبرة، تمشي بخطى مثقلة كأن الأرض تتشبث بها لتمنعها من مواجهة الحقيقة. كانت ترتدي ثياباً باهتة، وتحمل على كتفيها حزن أعوامٍ متراكمة. وبين الناس، بدا وكأنهم يبتعدون عنها دون وعي، فحزنها كان هالةً ثقيلة تبعث الرهبة في القرب.
اقتربت من قبري ولديها، فإذا بقبرٍ جديد يجاورهما، بدا أنه دُفن بالأمس. خفق قلبها بعنف، وتجمّد الزمن في عينيها، حتى صار الهواء أثقل من أن يُتنفس. همست لنفسها:
- أيمكن أن يكون قلبي قد صدق هذه المرة أيضاً؟
ثم انفجرت صرخةً من أعماقها، تهز الصمت:
- قبرُ من هذا؟ أهو قبر مالك؟ لماذا لم تخبروني؟
وانهارت باكيةً، بصوتٍ تتكسر فيه الحروف كزجاجٍ هش:
- أيها الناس… إن لي قلباً، فمن قال إنه حجر؟ وإن لي دمعاً، فمن قال إنه نهر؟
ثم ارتمت على القبر، تمسح ترابه كأنها تمسح على وجهه، تهمس بين شهقاتها:
- أنتم مني… فكيف اتفقتم أن تغادروني واحداً تلو الآخر؟ بأي ذنبٍ أُترك لأتنفس هذا الفراغ؟
وبينما كانت دموعها تختلط بتراب القبر، خفت صوتها شيئاً فشيئاً، كشمعةٍ تذوب في مهب الريح، حتى خبت تماماً. هناك، سكنت روحها أخيراً، كأنها وجدت مكانها الوحيد بين من أحبت؛ فدُفنت بجوارهم، لتستقر في الأرض التي جمعت الحب والحزن والسكينة، معاً، إلى الأبد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل


المزيد.....




- من النزوح إلى المسرح.. كيف تحولت حكايات الناجين من غزة ولبنا ...
- الروايات الإعلامية تجبر على نقل مشهد مختلف من إيران
- مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.. فنان وشم يطرح حلًا لمن لا ...
- خميس مليانة تحتضن الطبعة الأولى للأيام الوطنية للفيلم القصير ...
- زعيم صرب البوسنة يدعو لإلغاء منصب الممثل السامي للبوسنة واله ...
- من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال ...
- أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد ...
- من قاطرات بخارية إلى نغمات معاصرة.. -تون- يعيد إحياء مستودع ...
- قراءة في رواية ورد الشام للكاتب سعيد نفّاع
- بعدما كتبت له سطور في الحرية.. دعوة سورية مفتوحة للفنان فضل ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مصاب أنثى