أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً














المزيد.....

قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 08:26
المحور: الادب والفن
    


في دهاليز الذاكرة، ثمّة وجوه تطويها السنون، فتتحول إلى طيف باهت، أو إلى صورةٍ معلّقةٍ على الحائط، لا تُحدِّثُ أحداً، ولا يُحدِّثُها أحد. هكذا كان وجه زوجها، ذلك الرجل الذي غادر الحياة مبكراً، تاركاً لها أطفالاً صغاراً، وقلباً مجروحاً لا يلتئم.
في البداية، كانت تقف أمام صورته باكية، تحدّثه كأنه يسمع، وتستشيره كأنه يجيب. لكن مسؤولية التربية كانت كالسيل الجارف، ابتلعت أيامها ولياليها، حتى نسيتْ نفسها قبل أن تنسى صوته. تحولت علاقتها بصورته مع مرور العقود إلى مجرّد عادة موسمية؛ في الأعياد، تمسح الغبار عن الزجاج والإطار، وتهمس له بعباراتٍ جامدة، ثم تعيده إلى ركن النسيان، معلق على الحائط، كأنه لا يراه أحد.
تربى الأولاد، وتزوجوا، وارتحلت البنات إلى بيوتهن، وتوزعت العائلة في فضاءات الحياة، وجاء الأحفاد يملؤون البيت ضجيجاً وحركة، ولكن لم يسأل أحدهم قطّ:
"مَن هذا الرجل الذي يحدّق فينا من خلف الزجاج؟".
وفي إحدى الأمسيات الشتوية، بينما كانت تحتسي دفء الذكريات وحدها، اقترب منها حفيدها الصغير بتلك الخطوات الخجولة التي تذيب الجليد. أخرجت من جيبها بعض العملات الورقية وحبات من الحلوى، وأسلمتها لكفّه الصغير، فأشرق وجهه كالقمر. لكنه، إذ رفع نظره فرحاً بما نال، توقفت عيناه فجأة على تلك الصورة العتيقة خلفها. سألها، وصوته مزيج من البراءة والحيرة:
- جدتي.. من هذه الصورة التي خلفك؟ إنها لا تشبه أحداً من العائلة التي أعرف.
ارتجفت الجدة كما لو أن صاعقةً ضربت صدرها. عادت الذكريات كالسيل الجارف: لقاؤهما الأول تحت المطر، حبهما الطاهر الذي كبر رغم قسوة الأيام، زواجهما البسيط الذي جمع أرواحهما قبل أجسادهما، ثم تلك الليلة المشؤومة التي سلم فيها روحه للسماء، وتركها وحيدة بين بكاء الأطفال وأشلاء الذكريات.
سال الدمع غزيراً على خديها المجعّدين، وهي تهمس بحرقةٍ تعبق بالماضي:
- ألا تعرفه حقاً؟! ألم يحدثك عنه أبوك أو أمك؟
هزّ الولد رأسه بصدق طفولي:
- كلا يا جدتي.. لا أحد ذكر لي هذا الوجه قط.
عندها، طأطأت رأسها، وأطالت الصمت، وكأنها تجمع شتات نفسها بين يديها، ثم رفعت عينيها المغرورقتين بالدمع نحو الصورة، وقالت بصوت يرتجف من وطأة الألم والندم:
- هذا جدك يا ولدي.. هذا الرجل الذي يبدو اليوم وجهاً لا يشبه أحداً في عيونكم.
كانت تدرك أنه بالأمس كلّ شيءٍ في عيونها.. عماد حياتها، ونبض أيامها، ورفيق دربها. لكن الغدر ليس في الموت فقط، فالغدر الأكبر أن يغيب الإنسان في الحياة، حين يسمح لغبار الأيام أن يطمس ملامحه، حتى يصبح في ذاكرة أحفاده غريباً لا يعرفه أحد.
ضمّت الحفيد إلى صدرها بحرارة، وأطلّت معه على تلك الصورة، وفي عينيها دمعة أخيرة تهامس بها في سرّها:
"اليوم، وبسؤال هذا الطفل، أعدتُ إليك روحك، يا من صار وجهك في قلبي لا يشبه أحداً سواك".



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها


المزيد.....




- رحيل أيقونة البولكا.. وفاة الفنانة اليابانية يايوي كوساما عن ...
- مهرجان التراث الإسلامي بكالغاري.. احتفاء بالتنوع وردّ حضاري ...
- أسرة أحمد السقا تكشف حقيقة زواجه الجديد
- الدفاع الروسية تعلق على فيديو زيلينسكي المزيف باقتباس من فيل ...
- حملة المليون كتاب.. لبنان يتمسك بذاكرته في مواجهة التدمير ال ...
- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
- اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا ...
- هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
- أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد ...
- في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً