أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في نزهة في مقبرة للدكتور خلف حسين العلاوي (الجزء الأول)














المزيد.....

الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في نزهة في مقبرة للدكتور خلف حسين العلاوي (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 08:34
المحور: الادب والفن
    


في اللحظات التي يصبح فيها الموت رفيقاً يومياً، لا حدثاً استثنائياً، تتشظى التصورات التقليدية التي تفصل بين الحياة ككيان مستقر، وبين الموت كغاية قصوى أو حدث حتمي. فالإنسان في أحواله الطبيعية يعيش في إغفال للموت، متوهماً بالخلود، أو متعامياً عن الأفق الذي لا يُرد. لكن حين تتحول الجغرافيا إلى مسرح للقتل، وحين يصير الهواء رئته الأخيرة قبل الاختناق، تنهار تلك الحدود الوهمية، ويفصح الموت عن وجهيه المتقاطعين: الموت المؤكد كقطيعة حادة وفاصلة، والموت المحتمل كزمن ممتد من الترقب والعذاب. ومن هنا تنطلق هذه القراءة التي تروم مقاربة المجموعة من منظور أنثروبولوجيا العنف، لا بوصفها رصداً للفظائع، بل بوصفها تأملاً في كيفية تحول الموت إلى نظام ثقافي، وإلى طقس يومي، وإلى عداد ينقص مع كل نفس، سواء أكان ذلك النفس الأخير في عنق المذبوح، أم النفس المبحوح الذي يتساقط في قاع الحفرة انتظاراً لموت لا يأتي إلا بعد أن يستنفد كل معاني الحياة ذاتها.
إن المتأمل في بنية المجموعة القصصية نزهة في مقبرة يدرك فوراً أنها لا تقدم الموت كحدث عابر، بل كمتن سردي يتكرر بتجليات مختلفة، لكنه يظل محكوماً بقاعدة أنثروبولوجية ثابتة، هي تطبيع الفناء. فالموت المؤكد بوصفه قطيعة يتجلى في مشاهد الإعدام والذبح العلني؛ فهو تلك اللحظة التي تختصر فيها الحياة في حركة ساطور نازل، أو رصاصة تنفجر في الجبين، أو جسد يُلقى في حفرة تعوم على دماء من سبقوه. ولعل أبلغ مثال على ذلك ما ورد في قصص المجموعة من مشاهد الإعدام المباشر، حيث يختصر عمر كامل في هزة عضلية واحدة، وكأن السيف يقطع كل أشكال التعلق بالحياة دفعة واحدة. إنه موت حاسم لا مكان فيه للمساومة أو التردد، تنفيذ فوري لحكم الغياب، يطفئ الروح في ومضة، لكنه يترك شهوده في حالة من الصدمة الدائمة، وكأنهم يتلقون طعنة كل مرة. ففي الرصاصة التي تخترق ساق عبيد وتنفجر في لحمه كما تصوّر القصة:
"أصابت الرصاصة ساقه اليسرى من الخلف وانفجرت داخل لحم الساق حتى تناثر منها فتات اللحم. وقع على وجهه على الأرض وتحته بركة من الدم وفتات اللحم مثل القيء الأحمر"
يتجسد هذا الموت اللحظي الذي لا يحتمل التأويل، بل يختزل العمر في رشة دماء، تماماً كما يتجلى في الإلقاء المتعمد في الخسفة حيث يطير زيدان في الهواء قبل أن يرتطم بالهاوية، وكأنه يذوب في فضاء لا رجعة منه:
"ألقوا به في الحفرة. طار في الهواء، ارتفع قليلاً ثم ارتطم على الأرض ونزل يتدحرج بسرعة إلى هوة الحفرة"
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه القطيعة، رغم حدتها، تمنح صاحبها راحة الإنهاء، وهو ما يذكّر بمقولة "هايدغر":
"الوجود الأصيل هو الوجود الذي يواجه الموت بصفاء"
لكن هذا الصفاء يبدو مستحيلاً هنا في سردية العلاوي، لأن الموت يأتي من الخارج لا من الأعماق، ويُسقط على الإنسان فاجعته قبل أن يحضرها بوعي.
.في مقابل ذلك، يبرز الموت المحتمل بوصفه امتداداً زمنياً، وهو الأكثر دهاءً والأعمق أثراً في النفوس. فهذا هو زيدان يستيقظ في قاع الحفرة ليجد نفسه غارقاً في ظلام كثيف يعاني العطش والجوع الذين يشتدان مع مرور الوقت، فيضطر إلى أكل لحم جثة مجهولة لينجو، وكأنه يشرع في أكل حياته قطعة قطعة:
"وقعت يده على جسد... انكب ينهش بنهم وشراهة بلا وعي... ينهش وينهش.. كان يلتهم اللحم ويلوكه بين أسنانه بجنون تحفزه الرغبة في البقاء"
وها هم النازحون في الصحراء يموتون واحداً تلو الآخر بسبب العطش لا الرصاص، ذلك العطش الذي يتحول إلى سكين بطيء ينخر الأرواح:
"نفد الماء واستبد بنا العطش، تفصدت أجسادنا بالعرق المالح وجفت حلوقنا من شحة الماء... رأيتهم يتقاطرون ويموتون واحداً تلو الآخر"
أو ذلك الطاقم الطبي في زمن كورونا الذي يركض بين قناني الأوكسجين الفارغة بينما تختنق المريضة ببطء، وكأن الموت يتنفس معها. هنا يتجسد الموت بوصفه زمناً لا حدثاً؛ فهو لا يأتي فجأة، بل يتسلل كخيط دخان، ويحول الحياة إلى انتظار طويل للفناء.
وفي هذه المسافة الممدودة بين لحظة وأبدية، يعيش الإنسان حالة من التشظي الوجودي، وتتآكل حدود كرامته، وقد يضطر إلى ما لم يكن يتصوره يوماً من أجل البقاء، وهنا تكتسب التجربة بعداً فلسفياً عميقاً يستدعي مقولة "كيركغور":
"القلق هو دوار الحرية"
لكن القلق في عالم خلف العلاوي لا ينبع من الحرية، بل من حتمية المصير؛ فالشخصيات تعرف أنها سائرة نحو الموت، لكنها تجهل توقيته، فتظل معلقة بين يقين النهاية وغموض اللحظة التي ستقع فيها. وهذا ما يجعل الموت المحتمل أشد قسوة من الموت المؤكد، لأنه يحول الإنسان إلى شاهد على انهياره البطيء، وإلى كائن يعيش موته قبل أن يعيشه جسده، كمن يرشف السم جرعةً جرعة.
فضلاً عن ذلك، ثمة نقطة اشتراك جوهرية تجمع بين النمطين في المجموعة القصصية، ذلك أن خلف العلاوي لا يقدم إجابة أحادية عن السؤال المركزي: أي الموتين أكثر رعباً؟ بل يشرح هذه الجدلية عبر استقصاء أنثروبولوجي عميق لأنماط العنف التي تحولت إلى نسيج حياتي عراقي. إنه يلغي الحدود بين الحياة والمقبرة، حتى تبدو الحياة نفسها امتداداً باهتاً للموت، ويغدو الفضاء كله مهجناً تختلط فيه صرخة المذبوح بشهقة المريض، وكأن الكون كله صار سرادق عزاء لا ينتهي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن


المزيد.....




- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟
- لاجئ سوري يقترب من تحقيق حلمه في البطولة الأشهر عالميا للفنو ...
- بميزانية بسيطة.. كيف أعاد فيلم -حليمة- السينما المغربية لمنص ...
- حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مص ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في نزهة في مقبرة للدكتور خلف حسين العلاوي (الجزء الأول)