أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في نزهة في مقبرة للدكتور خلف حسين العلاوي (الجزء الثاني)














المزيد.....

الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في نزهة في مقبرة للدكتور خلف حسين العلاوي (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 08:34
المحور: الادب والفن
    


في القصص كلها تصبح المقبرة فضاءً حياتياً؛ يتنزه فيها الأحياء، وترعى الأغنام بين شواهدها، وتجالس العجائز موتاهن كما لو كنّ في بيوتهن، وكأن القبر صار غرفة مجاورة. وهذا التداخل يحول الموت المؤكد والموت المحتمل إلى وجهين لعملة واحدة، حيث تذوب المسافات ويصبح القبر محطة يومية مألوفة. ومن ثم لا تعود أهمية السرد في نقل الأحداث فحسب، بل في إعادة تشكيل معناها. ولعل هذا ينسجم مع رؤية "بول ريكور" حين يرى أن:
"السرد هو الشكل الذي نمنح به معنى للفوضى"
فقصص خلف لا تبرر العنف، بل تجرده من هالته وتكشفه بوصفه فعلاً بشرياً هشاً، يتكرر حتى يفقد استثنائيته ويغدو جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، كتنفس لا ينقطع.
في سياق آخر، تظهر المرأة بوصفها الجسر الذي يربط الحياة بالموت، بل إنها تصير القوة المعترضة في وجه الفناء. ففي مشهد الولادة أثناء النزوح، تتحول الجدة إلى قابلة وسط الصحراء، وتشق صرخة المولود الجديد ضجيج الرصاص، وكأن الحياة تصرخ في وجه الموت:
"وفي خضم الصراخ وأصوات البنادق، صرخ المولود وشرع بالبكاء وكأنما يقول لهم: كفى، فخفتت أصوات الرصاص وعم الهدوء"
وفي مشهد آخر، تقف القابلة العجوز في مواجهة الموت داخل المستشفى أثناء جائحة كورونا، مصرة على إنقاذ الطفل رغم احتضار أمه، وكأنها تنتزع نفساً من قبضة الغيب، حيث تقول:
"أنا قابلة منذ ثلاثين سنة... أنقذ الصغير على الأقل"
هنا يتحول جسد المرأة من موضوع للعنف إلى أداة للمقاومة البيولوجية، حيث تنتصر إرادة الحياة على منطق الفناء، وتصبح امرأة المخاض نفسها معجزة مضادة للموت المحتمل. وفي هذا السياق، تستعاد مقولة "ألبير كامو":
"في وسط الشتاء تعلمت أخيراً أنه كان في داخلي صيف لا يقهر"
كما يمكن استحضار قول نيتشه:
"في المرأة الحقيقية يكمن مستقبل الخلق"
فهذه الشخصيات النسوية لا تنقذ أفراداً بعينهم فقط، بل تحفظ استمرارية الوجود نفسه، وتجعل من الولادة فعلاً مقاومة في وجه الموت المؤكد والمحتمل معاً، وكأنها تنسج خيطاً من نور في نسيج العتمة. ولذا يمكن القول إن النساء في نزهة في مقبرة لسن مجرد شاهدات على العنف، بل فاعلات في إنتاج ثقافة المواجهة، عبر تحويل الموت المحتمل إلى ذاكرة وحياة وطقوس مقاومة. وإذا كانت شخصيات المجموعة كلها تعيش بين حدي الفقد والانتظار، فإن المقبرة ذاتها تتحول إلى رمز فلسفي واسع الدلالة، يذكّرنا بمقولة "شوبنهاور":
"الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل"
غير أن عالم خلف العلاوي يبدو أكثر قسوة؛ فالبندول هنا يكاد يتوقف عند الألم وحده، بينما يغدو الملل ترفاً لا يملكه إلا الذين غادروا دائرة الخوف نهائياً، أو تلك الشخصيات التي تغدو المقبرة لها حديقة.
في خاتمة هذه القراءة التأملية، نجد أنفسنا أمام سؤال جوهري:
"هل نزهة في مقبرة هروب من الموت أم مواجهة له؟"
تبدو الإجابة متناقضة مثل متن النص نفسه؛ فهي نزهة لأن الناس ألفوا الموت إلى درجة صار معهم القبر مكاناً للتشبث بالحياة، وهي مقبرة لأن هذا التآلف لم يمنحهم سوى وهم الاستقرار، بينما يظل الموت المحتمل متربصاً بهم في كل زاوية.
إن ما يتركه النص في النفس ليس اليأس المحض، بل دهشة مضاعفة: دهشة من قدرة الإنسان على الاستمرار رغم كل شيء، ودهشة من قدرة الموت على التحول إلى طقس يومي. وهكذا يصبح الموت المؤكد والموت المحتمل وجهين لعملة واحدة، لكنهما لا يقودان إلى العدم بقدر ما يدفعان الإنسان إلى إعادة تعريف معنى الحياة ذاتها، لتغدو كل لحظة نجاة انتصاراً صغيراً على الفناء، وكأن العمر مجرد استراحة بين حفرتين.
ولعل أصدق خاتمة لهذه النزهة هي تلك اللحظة التي ينهض فيها فياض بالعزف على المزمار وسط القبور، ويرقص الجميع ناسين أن تحت أقدامهم جثثاً دُفنت صباحاً، وأن العشب الذي يزهر مساءً إنما يستمد خضرته من ذاكرة الموت. عندها لا تكون النزهة سوى احتفال بالحياة في حضرة الفناء، أو كما يقول محمود درويش:
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"
ففي نزهة في مقبرة، يستحق الأحياء أن يعيشوا، حتى ولو كان بقاؤهم مجرد نخب متأخر على أرواح رحلت، لأن الموت، في نهاية المطاف، ليس نهاية الحكاية، بل هو مرآة تعكس للبشر صورة بقائهم العنيد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة


المزيد.....




- بعد جدل حفله بالتزامن مع حرائق الجزائر.. الشاب خالد يرد بفيد ...
- الثقافة تنفي إلغاء منحة الأدباء والصحفيين وتؤكد مواصلة المسا ...
- سوريا.. الفنانة والنائبة لاذقاني تبكي أمام مجسّم سجن صيدنايا ...
- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في نزهة في مقبرة للدكتور خلف حسين العلاوي (الجزء الثاني)