داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 13:26
المحور:
الادب والفن
يجلس أبو زياد صامتا في ركنه الخاص الذي صنعته الأيام بعدما نهض مبكرا يحدق في الفضاء الممتد إلى ما لانهاية, وإلى الشمس التي ولجت في ما بين الفراغِ الذي رسمته أناملُ الطبيعةِ بريشة أشعتها على شكلِ قرنين في التلالِ الشاهقةِ من جهة الشرق, والخوفُ يتسربُ في عروقِ جسده كلها, أفكاره تتسرب كخيطِ دخانٍ من كوةٍ عند بداية الصباح, ذلك الركن الذي أخذ الطابع نفسه الذي التصق به, فلقد وجد نفسه حبيسا معه من دون وعي منه, ينتظر الساعةَ التي تتدفق فيها مياه الإسالة غير المؤكدة من الصنبور في أقصى الحديقة المهملة وفي بداية نهاره المحتدم, منهوكُ القوى يستنزفه الجزعُ وقد ظهرت عليه بعضٌ من علاماتِ الشيخوخةِ المبكرة, وبدا يعاني من الآمٍ في رأسه من جراءِ ذلك الأرقِ الذي لا يرحم, فلقد أمضى ليله يتقلب فيها من جنبٍ إلى جنبٍ آخر, وسيولٌ من السياراتِ المارةِ بدأت تنزلقُ في الشارعِ الرئيسِ المجاورِ تجعله يستمع بضجرٍ إلى ضجيجها, يرتابُ من الواقعِ الذي يرتسم أمامه عكس عذوبة طفولته التي كانت أقرب إلى الدلال, إذ تحولت أشياءُ حاضره كلها إلى أشباحٍ سودٍ تهاجمُ أفقَ الروح, وأصبح الوجودُ مليء بالأعباءِ المتراكبةِ بعدما بدا كلُّ شيءٍ كأنما وهمٌ ينهش ذاته المتوجعة ما بين أمسٍ متوهجٍ في البداياتِ الأولى منه وحاضرٍ بدا ينكسر مع تقادم الأيام, إذ وجد نفسه في قلبِ الأشياء يتلمس دواخلها لا على مسافةٍ منها, بدهشةِ المستكشفِ أو الإحساسِ القوي بالرهبة, يسأله صوتُ دواخله.
- ماذا دهاك؟ ما الذي جرى لك يا ترى؟ كيف أصبحت هكذا؟
فيجيب بصوتٍ ينهشه الانكسار.
- إنه الزمن, وكأني تحولت إلى ظلٍ متلاشٍ لصورٍ منسيةٍ في هذه الحديقةِ المهملة.
- وأين أحلامك التي كانت تغزلُ لغات المنى؟ ترى هل كانت مجرد افتراءات أوهام؟
- لا تذكرني بها, اتركني بذات الشوق إلى تلك الأيام التي تحمل دفء الطفولة المفعمة بصحوِ البراءة.
تجتاحه صراعاتٌ رهيبةٌ في ذلك الحاضرِ الذي اثبت له بأنّ أحلامه التي كانت تدور في مخيلته أضحت مجرد أشلاء لبلادة في ميزانِ العدلِ في هذه الأرض, فصرخاتُ التأريخِ أخذ دويها يتعاظم في دواخله, وكأنما رائحةُ الموتِ عادت تنفث في الأمكنة كلها, ورائحةُ الخوفِ من الهلوساتِ المتناثرةِ في فضاءِ الاستجوابِ القسري في الأرضِ الصبخةِ في أقصى الجنوب.
هو شابٌ نحيفٌ حبيسُ جسدٍ يئن تحت وطأة العمر, يرتدي بزةً عسكريةً قد بهت لونها من كثرة تعرضها لأشعةِ الشمس, وانتظارٌ بعينِ الانكسارِ بعدما أيقن أنها تبحثُ عن الخلاصِ على قارعةِ الاحتضارِ في سجلِ الأغبياءِ حينما يقعون في فخِ البراءة, فلقد أجبر الخوفُ مجموعته من اتخاذ المقاييس غير المألوفة للسلوك, إلا هو كأنه ثائرُ الأعصاب قد ودّعَ التوجسَ الخفي فلا شيء يجعله يلتزم الصمت, ولا خشية عليه في أن يتكلم, فلقد وضع في الحسبان أنه ربما سيغادر الحياةَ في غضونِ دقائق ويسجى في محطة من محطات اللاعودة, لم تكن أحلامه ريباتُ أوهامٍ منذ البداية, بل إلى حدٍ قريبٍ كانت تتراءى له كنجومٍ يمكنه الوصول إليها, إذ ظهرت لحظة خروجه الأولى من ناحيته التي تحيطها الصحراء من الاتجاهات كلها, حينما كان الأملُ معقوداً بأن يكمل الدراسة الجامعية في الموصل, رغم معرفته أنه سيفتقد إلى دفءِ عائلته ويلجُ في عالمٍ واسعٍ لا يمثل هو فيه شيئا يذكر, وإذا بصورةِ والدته تحضر أمامه في أوج تلك اللحظاتِ من الاستجواب, كأنه لم يحن موعدُ الفطام, ثم أخذت تتكسر وتتلاشى, متعبة من انتظار لا نهاية له تعود من جديد, ربما كانت تسترقُ لأنين آلامه من بعيد, فيداهم مسامعها ذلك الصوتُ الشاكي, فيستعصي النوم عليها, فتحاول أن تغالط عبءَ الفراغِ الذي أحدثه ابنها المسمى طارق فلا يزال بنظرها بذات النظرةِ كآخرِ العنقود, كأنها تسمعُ نبضاتِ قلبه, فتثقلها الهموم.
- لا تكن وهما من الأوهام وسراب , بل كن حقيقة وصواب كما علمتك في صباك.
فيسألها بلا صوت.
- فهل في الحربِ عهود, ففي الواقع تغيب الحروفُ في دروبِ الكلام؟
لم تجبه فكأنما كانت ترومُ المستحيلَ معه في سابقِ سنين عربدة طفولته والشباب, وبدأت تتساءل عن مغزى الحياة في عالم تحكمه قوانين لا تفهمها, والغرقُ في أزماتٍ لا حدود لها من الأسى, ومماحكاتٌ تجر الأبناءَ بخطى متعجلة نحو الحتوف, فهل يتمكن هؤلاء الأبناءُ من تحطيم قيودَ حياتهم, إذ كانت تعتقد أن الإرادة لوحدها يمكنها قهر الصحراء الممتدة أمامها بلا نهاية, إلا أنها تقف الآن حائرة بما يجري, لذا أخذت تطيل النظر مطرقة برأسها صوب الأرض وتمسك عود ترسم به خطوط متعامدة, كأنما تشبه تلك الرسوم آلة حدباء وجسد مسجى عليها, فيتركها لنار الظنون والدموع أخذت تنساب من عينيها, فعبثا تحاول النسيان, تدرك أن الظن لا يموت بسهولة قبل أن يتركها أسيرة في دوامة الخيبات, لذا أخذت تحاول قهر الوقت المتراكم الرتيب الممتد كأنه سنةٌ ضوئيةٌ بانتظار أن يهبط أولُ شعاعٍ لشمسِ الصباح, ثم بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً من جديد من غير وداع, لذا أيقن بأنه سيكون آخر لقاء, ويكاد يلغي كل إحساس لديه بالوجود, حينها تأكد بأن أحلامه ربما قد ماتت أو بدأت تحتضر وانكسرت سفينةُ الترحال, وغاصت في بحور النوى والشتات, فالأمرُ برمته هو مجردُ وهمٍ يضاف إلى الأوهامِ الأخرى التي بدأ استكشافها تباعا, حينما سُمح له باستئنافِ القتالِ على أن لا يدخل ضمن دائرة الشك من جديد, وبدأت شاشاتُ نظره تمتلئ بصورِ الدماءِ والأشلاءِ الممزقة, صرخةٌ هنا واستغاثةٌ هنالك, هي حكايةٌ من حكايات, وصوتُ دواخله يردد ما يراه من ممارساتٍ خارج الجسد.
- دع ما تشاء.
ظلت الذاكرةُ تتلوى بعدما ضاعت المعاني كلها, فعلى يديها تعلّم الاغترابَ بذات الكبرياء, التحلي بالصبر والعمل الجاد, لم يكن يعلم أنها ستصبح ذو حدين كالسيف, إذ كانت تحاول حمايته, إلى أنه بدأ يشعر أنها كانت تحمله المسؤولية مبكرا, حتى لا يكون انعكاس لوالده الذي عانى من قسوةِ الحياةِ إلى أن انطفأ ضوء عينيه, ففي ركنه الخاص هنالك شجرةٌ بدأت تصفر وتتساقط أوراقها, كأنها تمثله, انعكاسا له, هي مجردُ بقايا أو أثر لكائنٍ كان نابضاً بالحياة في يومٍ ما, وأحس بوخزةٍ في صدره, ثم أخذ يشعر وكأنه بدأ يفقد أجزاءً كبيرةً من ذاته بعدما وجد نفسه يرى هنالك لجةً واسعةً تفصله عن فهمِ هذا العالمَ المترامي الأطراف, أو هي بدايةٍ لذلك التلاشي الذي كان يخشاه, ووحدها المشاعرُ أخذت تنفلت في الملكوتِ خفية في عالمٍ يُدار في الخفاء من قبل أصحابِ الأموال, لذا عاد بعنفٍ يحاسب ذاته من ردةِ الفعلِ المتأخرةِ أمام المعايير الجديدة التي كانت غائبةً عن مداركه, إلا أنَّ ضحكاتِ بعض الفتوة المارة من أمامِ الدارِ قطعت عليه استرساله وهي تخرج بمليء الأشداق, فتجتاحه حالةٌ من الحسدِ الغريبِ في تلك المقارنةِ التي فرضت نفسها للتو, ثم بدأت تطرق في أذنيه أصواتُ الدراجاتِ الناريةِ المزعجةِ كأنها محركاتٌ نفاثةٌ وهي تجوب الشوارعَ الفرعية, فيتحول إلى حالةٍ من الغضبِ يتوقد في الأعماقِ أكثر, كأنه يجد فيها وسيلة إلى تفريغ شحناته التي بدأت تتعاظم, تضغط عليه وبدا يشعر وكأنه يختنق, فصهيلُ خيولِ دواخله بدت تتناهى له كالصرخاتِ بعدما أخذت تتردد في كيانه, فيعاود الصوتُ من جديد.
- كيف أضعت تلك السنين؟
فيجيب بذهول السؤال الحائر.
- هل ضاعت حقا؟ أم أنني لا زلت أسيرا لذلك الوهمِ الكبير؟
بدأ يجثم ما بين النقيضين بعدما أخذ يواجه الحقيقة, ما بين الطفولةِ وريعانِ الشبابِ وبين الكهولةِ وهواجسها, ما بين طارق وأبي زياد, فطارقُ هو الماضيُ الذي نشأ فيه ودار في فلكه ويود أن يكون معه كي لا يعود إلى ذاته, ذلك الماضيُ الذي تجذّر فيه فلم يعد يتمكن من محو بصمته, هو الطفلُ الذي تأتأ في لفظ الحروف الأبجدية, بوجهٍ بريءٍ معفرٍ برمالِ ناحية الصينية, ليس الذي يراوده الآن حلما, إذ يجد نفسه كأنما لا ينتمي إلى الزمن الحالي, زمنُ أبا زياد ومن وقع في وهمِ الحياةِ الأكبر, رغم أنه بحاجة إلى قولِ الكثيرِ من الكلام, لذا بدأ يحاول أن يلتزم الصمت وإعادة ترتيب ذاكرته المشتتة, ويحاول أن يواجه النسيان بتلك الذاكرة, إلا أنَّ الحيرةَ يقطعُ دابرها أحيانا بداية اليقين الذي يطفو على السطح, وأحيانا تتركه لنار الظنون, فلا يريد أن يذوب في أتونِ المتاهاتِ ولا للماضي الذي يثقل على روحه, فتلك الحيرةُ تقتلُ المخلصين بلا هوادة, يتمنى لو تجتاحه قوةٌ خياليةٌ لتبعد عنه الهموم, بعدما أخذ يرتاب من الواقع الذي يخيل اليه أنه بدأ يرتسم أمامه, كأنما بدأ يرى الدخان, فهل يكون بلا نار, أو أنَّه ينتقلُ من حلمٍ إلى آخر, أحداثٌ قاسيةٌ يصعبُ تصورها, لذا بدأ يتصور الماضي ليجد نفسه كأنما يبحث عن هويته الضائعة, علّه يتخلصُ من ذلك الانتظارِ الممتدِ ربما إلى ما نهاية, فالأرضُ مفتوحةٌ بفوضى الغرباء, وعليه أن يفسحَ المجالَ لهم, كقربانٍ لذلك الماضي يقدمه بلسانٍ أخرس, فلا بد له أن يتخلى, أن يعودَ غريباً بلا هوية يجوب الصحراء, وعنوانُ حياته يبدأ بالتيه في تلك الكهوفِ العتيقةِ في التلالِ البعيدةِ في تخومِ تلك الصحراءِ العصية.
- ترى هل أنا طارق أم كما أكنى بأبي زياد؟
يجيبُ وهو يضحكُ وقد شعر بحركةِ الهواءِ في داخلِ قفصه الصدري بعدما بدأ يرى العالمَ الخادعَ وكلَّ شيء فيه مصيره الفناء.
- أأضحك وأنا محطم؟
أصواتٌ تتعالى تأتي من بعيد من خلفِ المحيطاتِ تنذرُ بقدومِ عدوٍ مجهولٍ بدأ يسمعها, فطالما لم يتمكن من إتقانِ النسيانِ وثائرٌ هو على الدوامِ يبحث عن الحقيقةِ المجهولة, فهذا يؤكد من أنه لم يكن إلا أبو زياد الذي لا يود أن يعود اليه, فلربما يمشي ذلك العدوُ المفترضُ خلفه الآن, أمامه, لا يدري, رماديٌ كان أم اخضر, وربما هو من الزواحفِ من العالمِ الماورائي, أشباحٌ تملأ الفضاءَ تدور سريعا, تستند على حكاية قبل آلافِ السنينِ فتقتلُ بلا رحمة, أو من هم خارج حاضره على الأقل بلا غريزة انتماء, يرى مدناً ما بين العتمةِ والرماد, فأدرك أنَّ هذه الحياةَ ما هي إلا لعبةٌ كبيرة, يبحثُ فيها عن وحي اللاشيء في سر تلك الأشياء, إنها الضآلةُ أمام التحديات, قصةٌ تولد قصة, حتى ظن أنه لا يزال في عصورِ ما قبل طارق, عصر الفخار أو عصر السيف وربما أقرب, أو عصر الخيم المتناثرة قبل التحول إلى دور الطين, بنسيجٍ من المشاعرِ تستحضر دفءَ الماضي, أو هو من بقايا شعوبٍ شرقيةٍ اُبيدت بعدما أفنى من أفنى, هو ذا ومن بقي معه شهودٌ عليها بهيئةِ عبيد لأصنام استباحت العقول, ما يهمهم أن من يتصدر المجلسَ لا يزال يلبسُ العباءةَ المذهبةَ ويأمرُ أن تمسك الدلةَ باليد اليسرى, فتتشكل أمامه صورا لأقرانه الطلبة في المراحل الأولى, ينادي ثم بدأ يصرخ بوجهم, إلا أنه لم يجد أحداً يجيبه, يحاول استثارتهم إلا أنَّ ذراعيه أخذت تخترقُ الهواءَ من دون عائق, فأيقن أنهم قد أخذتهم الراحةُ الأبديةُ بعدما غادروا الحياة, لا يود أن يدخل في معمعةِ تلك الخشية في عالمِ اللاعودة الأبدي بعدما أخذت تعصف به الرهبة على الدوام, ربما هو التشبث بالحياة, لا يعرف إن كان في حلمٍ طويلٍ أكل منه سنينه كلها, أم في يقظة بتلك الأفكارِ المجمدةِ التي بعثرت ذهنه في خريفِ العمر, أم هي حكايةُ العنقاءِ التي تخرج من وسطِ الرماد.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟