أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الولادة














المزيد.....

قصة قصيرة: الولادة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


حين تضيق الأرض بما عليها، وتبدو السماء وكأنها أغلقت أبوابها بالغيوم والدخان، تظل الحياة تحتفظ بسرّها القديم؛ فهي تعرف كيف تشق طريقها من بين الركام، وكيف تنبت زهرة صغيرة في شقّ صخرة عتيقة. ولعل أكثر ما يربك الموت، أن الحياة لا تكف عن إعلان حضورها، حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
خبا الضوء بعدما توارى قرص الشمس خلف التلال المتناثرة، فتمددت الظلال فوق البيوت كعباءة ثقيلة نسجتها الحرب بخيوط القلق. وفي ذلك المساء البارد، ارتجفت الأجساد على وقع أنين امرأة شابة تخوض أولى تجاربها مع الولادة. كان الألم يتصاعد من صدرها كنداء غامض يبحث عن منفذ إلى السماء، فيما التفّت حولها العجائز بوجوه حفرتها السنون، وأخذن يرددن كلمات التشجيع كأنهن ينفخن الروح في جمرة أوشكت أن تنطفئ.
كانت إحداهن تقول إن الشجاعة إذا استيقظت في القلب ارتفعت كهامات النخيل الباسقات، وأخرى تمسح العرق عن جبينها وتهمس بأن الأطفال لا يأتون إلى الدنيا إلا وهم يحملون معهم قبساً من نور الله. وبين الدعوات والدموع، كان الجميع ينتظر لحظة انبثاق ذلك الضوء الصغير من صخرة اللوعة، أو من هشيم التراب المبلل بدموع الانتظار.
ثم اجتاح الصمت المكان فجأة، صمت ثقيل كأنه يزن الأعمار كلها. وصلت سيارة الإسعاف أخيراً، لتبدأ رحلة أخرى بين مشفى القضاء ومشفى المدينة في تكريت. كانت الآمال معلقة على تلك المركبة البيضاء التي تشق العتمة بصعوبة، علّ الطفل يرى النور في مكان أكثر أمناً، لكن الطريق كان يمر من قلب الحرب، والحرب لا تعترف ببراءة القادمين الجدد.
انطلقت السيارة، وأزيز الرصاص يتردد من بعيد كأن الليل يطحن أسنانه. لم يكن للخوف شكل محدد، لكنه كان يجلس إلى جانب الجميع. السائق يرفع صوت آيات الذكر الحكيم، كمن يمد جسراً خفياً بين الأرض والسماء، والوجوه الشاحبة تحدق في الظلام الممتد على جانبي الطريق، فلا ترى سوى الفراغ والاحتمالات المقلقة.
كان ضوء سيارة الإسعاف الخافت يتقدم بخجل، كشمعة تحاول أن تقاوم ريحاً لا تهدأ. أما الوقت، فقد بدا متجمداً داخل ساعة معلقة لا تريد أن تتحرك. اقترب منتصف الليل، والمرأة الشابة تئن بين حين وآخر، ثم ترفع رأسها بصعوبة، كأنها تريد أن تسأل الطريق:
- كم بقي من المسافة بين الألم والفرح؟
وفي أحشائها كان الطفل يقترب من عتبة العالم. ربما لم يكن يعلم شيئاً عن الحروب ولا عن صفارات الإنذار، ولا عن السيطرات التي كانت توقف السيارة بين الحين والآخر. كان يتهيأ فقط لمغادرة دفء الرحم، ذلك الوطن الصغير الذي لم يعرف فيه سوى الأمان، إلى عالم يضج بالأسئلة ولا يعرف إلى أين يمضي.
توقفت السيارة مرات عديدة.
- إلى أين تذهبون؟
وكان الجواب يتكرر بصوت متعب:
- حالة ولادة.
فتتنحى الحواجز جانباً، وتعود العجلات إلى دورانها فوق الإسفلت الذي حفظ خطى الجنود وصدى الهاربين ودموع الأمهات.
في تلك الليلة، بدا الزمن كتمثال زجاجي لا يتغير. حتى العصافير التي اعتادت استقبال الفجر، بدت وكأنها تؤجل غناءها. لا شيء يُسمع سوى هدير السيارة الخافت، وارتطام عجلاتها بالطريق، ووميض بعيد لا يُعرف إن كان ناراً أم نجمة تائهة تبحث عن مكانها في السماء.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة قبل الوصول، في منتصف الطريق تماماً. تبادلت العجائز النظرات المرتبكة. لا معدات طبية، ولا ماء دافئ، ولا غرفة انتظار. كانت هناك سيارة إسعاف، وليل طويل، وامرأة تصارع ألمها، وحياة صغيرة تصر على المجيء.
استنفرت العجائز بكل ما تبقى في ذاكرتهم من خبرة. فالحياة، منذ فجر الخليقة، لا تنتظر الظروف المثالية كي تبدأ. إنها تولد حيث تشاء، وكيف تشاء، مثل نبع يفاجئ الصحراء، أو سنبلة تشق التراب القاسي دون استئذان.
وما هي إلا لحظات حتى دوّى صراخ المولود في فضاء السيارة الضيق، صرخة صغيرة، لكنها بدت أقوى من الرصاص، صرخة أعلنت انتصار الحياة على الخوف، والرجاء على اليأس، والبداية على كل النهايات المؤقتة.
نظر الجميع إلى الطفل الملفوف بقطعة قماش بسيطة، فرأوا في عينيه المغلقتين شيئاً يشبه الوعد. كان الليل ما يزال طويلاً، والحرب ما تزال هناك، والطريق لم ينتهِ بعد، لكن أحداً لم يعد ينظر إلى الظلام كما كان قبل دقائق.
وفي الخارج، كانت السماء تحتفظ بسوادها، غير أن نجمة وحيدة ظهرت بين الغيوم. لم ينتبه إليها أحد، إلا أنها بقيت معلقة فوق الطريق، كأنها تراقب ذلك القادم الجديد.
وحين تابعت سيارة الإسعاف سيرها، بدا المشهد كله أشبه بولادة أخرى؛ لم يكن الطفل وحده من خرج إلى العالم، بل خرج معه أمل صغير، أخذ مكانه بهدوء في قلب الليل، وأخذ الليل نفسه يتراجع خطوةً خطوة أمام أول خيط غير مرئي من الفجر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة


المزيد.....




- مصر.. نقيب الموسيقيين يرد على الفيديو المسرب المثير للجدل
- في -روزا خوتور- بجبال سوتشي.. السياح العرب يكتشفون موسيقى ال ...
- شاهد.. فن الفسيفساء من ركام المنازل المدمرة في غزة
- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الولادة