أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصير: الهيكل والمداس














المزيد.....

قصة قصير: الهيكل والمداس


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 02:35
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يؤمن بالتغيير إلا وفق رؤية يصوغها العقل قبل أن تمليها العاطفة. فقد جعلته سنوات القراءة الطويلة ينظر إلى الأشياء من جذورها لا من أغصانها، ويبحث في الأسباب قبل النتائج، وفي الجواهر قبل القشور. كان يرى أن كثيراً من الناس ينشغلون بما يلمع على السطح، بينما الحقيقة غالباً ما تختبئ في الأعماق حيث لا تصل الأبصار المستعجلة، كحجر كريم يرقد في قاع نهر لا يراه إلا من امتلك صبر الغواصين.
في مساء صيفي هادئ، جلس أبو حديد في باحة الحوش الواسعة المطلة على السهل الأخضر الممتد حتى نهر دجلة. كانت مياه النهر قد انحسرت قليلاً، فكشفت عن جزر صغيرة استوطنتها أشجار الصفصاف والأثل، وكأنها أرض تستعيد ذاكرتها بعد غياب طويل. أما النسيم القادم من جهة الماء فكان يحمل رائحة الطين وذكريات المواسم البعيدة، بينما تظهر زقورة آشور على ضوء القمر شامخة في مخيلته حتى عنق السماء بقوالبها الطينية الحمراء، وإن كان يعلم أن مقتنياتها قد توزعت بين متاحف العالم، ولم يبقَ سوى الأقبية الطينية والصفير الحزين للريح، وكأن التاريخ نفسه لم يترك خلفه سوى صدى خطواته.
أخرج علبة سجائر من نوع جمهوري، بيضاء مستطيلة مغلفة بنايلون شفاف. سحب سيجارة ببطء، وأخذ يتلمسها بأصابعه من أعلاها إلى أسفلها، قبل أن يطرق طرفها على العلبة طرقات خفيفة، كأنها طقس قديم يسبق إشعالها. وما إن اشتعلت حتى بدأت دوائر الدخان تتصاعد نحو السماء، متشابكة ومتبددة في آن واحد، مثل الأفكار التي تولد واضحة ثم تتلاشى في فضاء الاحتمالات، أو كالأحلام التي ينسجها الإنسان بإتقان ثم يتركها الزمن تتفكك خيطاً بعد خيط.
بدت على وجهه ملامح استرخاء نادرة، وشيء من الوداعة التي لا تظهر إلا في لحظات الصفاء. وبعد لحظات من الصمت، التفت إلى الشاب الجالس إلى جواره، وراح يسأله عن دراسته ومرحلته الدراسية، ثم أخذ يحدثه عن المستقبل، وعن أن الأوطان لا تشيخ ما دام شبابها قادرين على الحلم، وأن الشعوب التي تفقد أحلامها تشبه أشجاراً يابسة تقف منتصبة لكنها فقدت سر اخضرارها.
وجد الشاب في تلك اللحظة فرصة مناسبة، فتقدم بالسؤال الذي كان يحمله منذ بداية اللقاء:
- لماذا لا تنضم إلينا؟ نحن بحاجة إلى أمثالكم. المثقف يستطيع أن يخدم المرحلة أكثر من غيره، وهناك توجيهات بضرورة استقطاب أصحاب الفكر والعقول.
ابتسم أبو حديد ابتسامة خفيفة، ثم أخذ نفساً طويلاً من سيجارته، وأطلق سحابة كثيفة من الدخان، وظل يتابعها بعينيه حتى تلاشت في الهواء. ثم نظر إلى الشاب نظرة طويلة، كأنه يزن الكلمات قبل أن يطلقها، وقال بهدوء:
- ربما يمكنني ذلك، لكنني أظن أنني أصبحت ثقيلاً على المسيرة. فالسنوات لا تمنح الإنسان الخبرة فقط، بل تمنحه أسئلة كثيرة أيضاً. إنها لا تترك في الروح خبرة فحسب، بل تحفر فيها آباراً من الأسئلة، وكلما ظن الإنسان أنه اقترب من اليقين، وجد نفسه أبعد عنه بخطوة. ومع الزمن يكتشف المرء أن الأجوبة أقل عدداً مما كان يظن، وأن الأسئلة هي التي تكبر معنا وتشيخ معنا.
لم يقتنع الشاب، وأعاد المحاولة بإلحاح أكبر.
عندها انحنى أبو حديد قليلاً، ورفع إحدى فردتي حذائه. كان قديماً وقد تآكل مداسه حتى لم يبق منه إلا ما يلامس الأصابع. قال وهو يشير إليه:
- انظر إلى هذا الحذاء. حين يتآكل المداس وينفصل عن الهيكل، فإنه يحتاج إلى مسامير صغيرة ومرنة تثبته من جديد. هذه المسامير هي أنتم... الشباب. لديكم القوة والحماسة والقدرة على السير لمسافات طويلة.
ثم مرر أصابعه على جلد الحذاء المتشقق، وبقي يتأمله لحظات، قبل أن يضيف بصوت خافت:
- انظر إلى هذه التشققات... إنها ليست في الجلد وحده.
كان التشقق يمتد فوقه كخريطة عمر طويلة، وكل خط فيه يشبه طريقاً سار عليه صاحبه يوماً وهو يظنه يقود إلى نهاية واضحة، فإذا به يفضي إلى طريق آخر.
صمت قليلاً، ثم أضاف:
- أما نحن...
وتوقف كأنما يبحث عن عبارة ضاعت بين الذكريات.
ثم ابتسم ابتسامة شاحبة وأكمل:
- أما نحن فقد صرنا أشبه بمسامير صدئة، قد لا تثبت المداس، بل ربما تشق الجلد كله إذا أُجبرت على الدخول فيه.
ساد الصمت بينهما. كان الشاب ينظر إلى الحذاء، بينما أخذ أبو حديد يراقب دوائر الدخان الأخيرة وهي تتلاشى في الأفق. ثم نهض ولبس حذاءه، إلا أنه في تلك اللحظة انفصل جزء صغير من المداس المهترئ، فتدلى متأرجحاً مع حركة القدم. نظر إليه أبو حديد ملياً، ثم واصل مسيره ببطء ومضى نحو السهل.
ظل المداس المعلق يضرب الدرب الترابي مع كل خطوة، محدثاً صوتاً خافتاً يشبه همساً قديماً يخرج من بين طبقات الزمن. وكان الإيقاع المتكرر لذلك الصوت أشبه بساعة خفية تعد ما تبقى من الرحلة. أما السهل فكان يبتلع الظلال شيئاً فشيئاً، بينما كان الشاب يتابعه من بعيد، غير متأكد إن كان أبو حديد يمضي إلى الأمام، أم أن الطريق نفسه هو الذي كان يبتعد عنه. ولم يكن يدري أيضاً أكان الرجل يسير وحيداً في تلك اللحظة، أم أن جيلاً كاملاً كان ينسحب بهدوء من المشهد، تاركاً الطريق لمن سيأتي بعده.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد


المزيد.....




- محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات ...
- يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع ...
- افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف ...
- خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ ...
- موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات ...
- من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ ...
- لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع ...
- زاخاروفا: روسيا تحافظ على إرث الثقافة الغربية باعتباره جزءا ...
- المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس ...
- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصير: الهيكل والمداس