أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ممرٌّ واحد














المزيد.....

قصة قصيرة: ممرٌّ واحد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


في الحادية عشرة من ظهر يوم قائظ من أيام حزيران، كانت الشمس تعضّ ظهره من خلال القماش الخفيف. تدلّت حقيبته على كتفه، مثقلة بما تحمله من حاجات قليلة، لكنها بدت أخف من قرار النقل الفوري الذي هبط عليه كالصاعقة، من فوجٍ في الشمال إلى آمر فوجٍ قتالي في أقصى الجنوب.
كانت المدينة التي درس خرائطها يوماً في مدرسة الأركان ستقف أمامه حقيقةً لا خطوطاً على الورق. أرضٌ بيضاء مترامية، كأن الماء فيها تجمّد تحت الشمس ثم تحوّل إلى ملح. الضوء يرتد من الصبخات فيلسع العيون، والرطوبة تلتصق بالجلد قبل أن تستقر في الرئتين.
كان يتمنى أن تكون الحكايات عنها مبالغاً فيها، لكنه ما إن وطئها حتى أدرك أن الواقع أكثر قسوة من الوصف. ففي بلادٍ لا تنتظر فيها الحرب أحداً، لا مكان للتأجيل، ولا فرصة لتأويل الأوامر. وما إن يرد اسم الجبهة إلى الذهن حتى ينهض الموت من ظله.
كانت أصوات المدافع تتدحرج من كل الجهات. لا يعرف أهي بعيدة أم قريبة، فالملح يعيد صدى الانفجارات مضاعفاً، حتى ليخيل إليه أن القذائف تُطلق من داخله هو، لا من خلف المناطق البعيدة.
كان قد شارك في معارك كثيرة، وأصيب أكثر من مرة، لكن شعوره هذه المرة كان مختلفاً؛ كأن الحرب هنا لا تخوض معركتها ضد البشر، بل ضد المنطق نفسه.
أمامه امتد الممر. شريط ضيق وحيد يشق الصبخة إلى الأفق. وعلى جانبيه حفرت القذائف المتساقطة في المياه المالحة دوائر عميقة ومستديرة، كأن الأرض تحاول ابتلاع نفسها. لا التفاف، ولا حياد. خطوة واحدة خارج الممر قد تعني موتاً سريعاً، أو موتاً أبطأ حين يلتهم الملح الجسد الجريح.
خطوة، ثم أخرى، راح يمشي. كان الممر أشبه بعمرٍ طويل اختُصر في لحظات. جثث متناثرة هنا وهناك، بعضها ما زال يحتفظ بحرارة الحياة، وبعضها يعرفه من الزي العسكري، وبعضها لم يعد يعرفه أحد. الرصاص يصفّر قريباً، والغبار يمتزج بالعرق، فيما يظل السؤال يطارده:
هل كان يمكن أن يكون في مكان آخر؟
لكنه كان يعرف الجواب، ليس هناك مكان آخر، ليس هناك سوى هذا الممر، وسوى هذا المجهول الذي ينتظره في نهايته.
رفع بصره نحو الأفق. تمنّى، ولو للحظة، أن تظهر النخيل من بعيد كما كانت يقرأ عنها في طفولته، باسقةً تتحدى الريح، وأن تستيقظ الحقول الخضراء من تحت هذا البياض القاسي. لكنه كان يعرف أن ما ينتظره هناك ليس نخيلاً، بل حقول ألغام ومواقع قتال جديدة.
تسللت الذكريات إليه كمنفذ أخير للروح. رأى الحواش المزدحمة بأحاديث المساء، والفوانيس النفطية التي تتنقل بين الأيدي، والبيوت الطينية التي كانت تتعرى تحت المطر ثم تستعيد دفأها مع أول شمس. رأى النهر، وألعاب الطفولة، وأبراج الرمل التي كان يبنيها ثم يراقب انهيارها بصمت.
وتذكر ذلك الطائر الخضّر الصغير الذي كان يعشش داخل ممر أفقي طويل في جرفٍ طيني صلب. كان الصبية يمدون أيديهم إليه ظناً منهم أنهم يملكونه، بينما كان هو يتمسك بعشه وبيضه، مدفوعاً بغريزة البقاء.
ابتسم في داخله، ذلك الطائر كان يشبهه الآن، كلاهما في ممر واحد، وكلاهما لا يملك طريقاً للعودة، لا خيار لديهما.
استفاق من شروده على صفير رصاصة مرّت قريبة من رأسه، نظر أمامه. كان الممر ما يزال ممتداً، طويلاً، صامتاً، كأنه قدر مرسوم منذ زمن بعيد. غاصت قدمه في الملح الناعم. لم يعد يسمع سوى دقات قلبه، لذا تساءل للمرة الأخيرة:
هل الممر هو الذي اختاره؟
لكن السؤال فقد معناه سريعاً، فالوقوف هنا موت، والتراجع مستحيل. أما الحياة، فربما كانت هناك... في آخر الممر.
شدّ حقيبته إلى كتفه، ومضى. ومع كل خطوة كان جسده يبتعد عن العالم الذي عرفه، حتى ابتلع البياض آخر ظل له، ولم يبقَ خلفه سوى أثر أقدام متتابعة على الملح... أثرُ رجلٍ لم يكن يبحث عن النجاة بقدر ما كان يبحث عن نهاية ذلك الممر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني


المزيد.....




- -أصوات التراث-.. أول مهرجان روسي للأغنية السوفيتية في موسكو ...
- ظنوه خارجا من فيلم خيال علمي.. ما سر الراكون -جيموثي- الذي ح ...
- بعدما خطفت الأنظار في كأس العالم.. صورة لاعب الرأس الأخضر وح ...
- -الأوديسة- في صالات العرض، ماذا نعرف عن فيلم كريستوفر نولان ...
- شجرة البتولا... الرمز الذي لا تكتمل صورة روسيا من دونه
- مبادرة شبابية في غزة توظف الذكاء الاصطناعي لكسر الحصار الرقم ...
- نزع صور الفنان اللبناني محمد إسكندر في يبرود قبل حفله بوادي ...
- وفاة -سيدة الحمام- الشهيرة
- -مينيونز والوحوش-.. رسالة في حب السينما الصامتة
- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ممرٌّ واحد