أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذاكرة الحرب في رواية رماد السنين للكاتب حسن العميري ( الجزء الثاني)















المزيد.....

بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذاكرة الحرب في رواية رماد السنين للكاتب حسن العميري ( الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


غير أن الأحلام الكبرى لا تنمو في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة تمنحها القوة والاستمرار، وهو ما وفرته الأسرة بما امتلكته من ترابط ومحبة، إذ تمثل العلاقة بين حسان وإخوته نموذجاً رائعاً للترابط الأسري والعاطفة الأخوية العميقة؛ إذ كان إخوته الكبار يعتنون به كأنه ابنهم الصغير، يلعبون معه ويرعونه ويحبونه حباً جمّاً، حتى أنهم اعتبروه طالع خير عليهم وفرحوا به فرحاً عظيماً لأنه ولد في زمن كانوا فيه بحاجة إلى بشير أمل. وعلاوة على ذلك، كانت الجوهرة هي الرابط العاطفي الذي جمع بينهم، فهي التي احتضنتهم بعد فقدان أمهم، وربتهم كأبنائها، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، مما جعل العلاقة بين حسان وإخوته علاقة استثنائية لا تقوم على الدم فقط، بل على المحبة والوفاء والعرفان. وفي هذا السياق، يطرح الكاتب سؤالاً عميقاً حول طبيعة هذا الحب الذي حمله الإخوة لحسان، متسائلاً:
"هل حب الأخوة، أم هو احترام إرادة الأب ورغبته، أم هو عرفان بالوفاء لزوجة الأب؟"
إنه تساؤل يكشف عن عمق الروابط الأسرية، وكيف أن المحبة في العائلة تتجاوز حدود الدم لتشمل كل من يسهم في صنع السعادة والاستقرار. وهنا، لا يسعنا إلا أن نتذكر قول الشاعر "أبو القاسم الشابي":
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"
لكن في هذا السياق، يمكن القول إن الأسرة عندما تريد الحياة، فلا بد أن تستجيب القلوب بالمحبة والتكافل.
وإذا كانت الرواية قد قدمت الجوهرة بوصفها مصدر الدفء والسكينة، فإن اللحظة الأكثر قسوة تتمثل في اقتراب غيابها عن المشهد الإنساني للأسرة، حيث تعد وفاة الجوهرة واحدة من أكثر المشاهد تأثيراً وحزناً في الرواية، حيث تتراجع صحتها شيئاً فشيئاً، وتذبل تلك الزهرة اليانعة التي كانت تضيء بيت الباشا، وتتلاشى ابتسامتها التي كانت تبعث الأمل في النفوس.
يصف الكاتب بألم شديد كيف كانت الجوهرة تحاول التماسك والتظاهر بالقوة أمام أبنائها، وكيف كانت عيناها تدمعان في صمت وهي تودعهم، موصية الباشا بأن يرعاهم بعد رحيلها، ومذكرة إياه بأسمائهم واحداً واحداً. ولعل أكثر ما يمزق القلب في هذا المشهد هو ذلك اللقاء الأخير في المستشفى، حيث كانت الجوهرة مستقيمة على سريرها، وقد ذبلت تلك الزهرة اليانعة، وأفل بريقها، وغاب وجهها المضيء، لكنها كانت تحاول جاهدة أن ترسم ابتسامة على محياها وتسأل عن أحوال أبنائها وكأنها تريد أن تختزن أصواتهم في قلبها قبل الرحيل. وفي هذه اللحظة المهيبة، يستحضر العقل قول "إيليا أبو ماضي":
"ما كل ما يتمنى المرء يدرك تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"
لكن حسان تعلم من أمه أن الحياة تستمر، وأن الأمل لا يموت بموت الأحبة، وأن ذكرى من نحب تظل نوراً يهدي خطانا في دروب الحياة المظلمة. وحقاً، لقد كان رحيل الجوهرة خسارة فادحة لا تعوض، لكنها أيضاً كانت بداية لمرحلة جديدة من النضج والاعتماد على الذات.
ومع أن رحيل الجوهرة ترك فراغاً عميقاً في حياة حسان، فإن وصاياها وكلماتها ظلت حاضرة في وجدانه، تدفعه نحو تحقيق ما حلمت به له. فبعد عقد ونصف من الزمن، أو أقل من ذلك بقليل، يتحقق حلم حسان، ويصبح ضابطاً في الجيش العراقي الباسل، كما كان يتمنى منذ صغره.
إنها لحظة تاريخية فارقة في حياة الرواية، حيث تتحقق أمنية كانت تراوده منذ طفولته، وتثبت أن العقل والإرادة يمكن أن يتغلبا على كل الصعاب، وأن الجد والاجتهاد لا يضيعان أبداً. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الحلم لا يخلو من مرارة؛ إذ جاء بعد سنوات من الحرب والمعاناة، وبعد فقدان أمه الجوهرة التي كانت تشجعه وتؤمن به وتدعو له كل يوم. وفي هذا السياق، يتجلى قول "جبران خليل جبران":
"الألم الذي لا نعرف كنهه هو الألم الذي لا يزول"
لكن حسان استطاع أن يحول ألمه إلى قوة وإرادة، وأن يحقق حلمه رغم كل الظروف، مقدماً مثالاً رائعاً في الصمود والتحدي. ومن الجدير بالذكر أن حسان حين أصبح ضابطاً، تذكر كلمات أمه التي قالت له:
"أنت تصبح ضابطاً وتفتخر بك لكي تدافع عن وطنك بعد أن تكبر"
فأدرك أن وصوله إلى هذه المكانة لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل هو وفاء لوصية أمه، وتلبية لدعوة الوطن الذي أحبه وعاش من أجله. وهكذا، يصبح حسان رمزاً لكل شاب عراقي حمل حلماً في قلبه وسعى لتحقيقه رغم كل الصعاب.
وهكذا، وبعد رحلة طويلة امتدت بين الطفولة والفقدان والحلم والتحقق، تصل الرواية إلى ذروتها التأملية التي تختزل معنى التجربة الإنسانية بأكملها. حيث يقف الشاب حسان على تلة صغيرة تشرف على مدينته التي مزقتها الحروب، تداعب وجهه رياح حملة برائحة البارود والذكريات المتدفقة. يغمض عينيه، وفي تلك اللحظة بالذات، لم يعد يرى الدمار من حوله، بل رأى طيف والدته الحبيبة الجوهرة، وتذكر كلماتها الأخيرة قبل أن تختطفها يد الموت مبكراً، وتذكر كيف كبر في سنوات الحرب وهو يحمل صورتها ووصيتها في قلبه درعاً يقيه من قسوة الحياة ومرارتها.
ثم يفتح عينيه مجدداً، وينظر إلى السماء الصافية التي بدأت تبسم بعد سنوات جفاف، ويدرك حينها أن الحرب التي أكلت الكثير من عمره وذكرياته لم تهزم روحه أمامها، بل صقلته وجعلت منه إنساناً أقوى وأكثر صلابة. وعلاوة على ذلك، يدرك حسان أنه غادر طفولته باكراً، لكنه انتصر في معركة البقاء والحفاظ على إنسانيته، وأنه أمسك حقيقيه الصغيرة ومشى بخطى ثابتة وواثقة نحو الغد، مبتسماً وهو يوقن أن والدته التي غادرته جسداً، كانت وما زالت النور الذي يدله على طريق الأمل، وأن الأمل الذي عاشه قد تحول إلى عينة لا تتكسر لبناء غد جديد. وفي هذه الخاتمة، يستحضر الذهن قول الشاعر الفلسطيني "محمود درويش":
"أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر في الطفولة يوماً على صدر يوم
وأعشق عمري لأني إذا مت، أخجل من دمع أمي"
لكن حسان لم يمت، بل عاش ومضى قدماً، حاملاً في قلبه ذكرى أمه وأملها، ليكون شاهداً على أن العقل والإرادة يمكنهما أن يكونا أقوى من كل أنواع الدمار، وأن رماد السنين يمكن أن يتحول إلى سنابل خضراء إذا ما توفرت الإرادة والأمل والإيمان بأن الحياة تستحق أن تُعاش بكل ما فيها من حزن وفرح، ومن خوف وأمل، ومن ضعف وقوة.
وهكذا، نجد أن رواية "رماد السنين" هي أكثر من مجرد عمل أدبي يحكي سيرة ذاتية، بل هي رحلة تأملية عميقة في أعماق النفس البشرية، ودروس مستفادة من واقع مرير عاشه العراقيون في عقود مضت، وشهادة حية على أن العقل والإرادة يمكنهما أن يصمدا أمام كل أنواع الدمار الذي تخلفه الحروب والصراعات السياسية.
ومن خلال هذه التأملات التي تناولت فيها بيوت الطين، وبذار الحنطة والشعير، وحالة الجوهرة، وتداخلات الحس القومي، ودخول المدرسة، وتخرج الأخ من الكلية العسكرية، ورغبة حسان في أن يكون ضابطاً، وعراقة الأخوة، ووفاة الوالدة، وتحقق حلم حسان، نستنتج أن الحياة رغم بساطتها وعفويتها إلا أنها أيضاً معقدة ومشاكسة، لكنها تظل جميلة بكل ما فيها من تفاصيل إنسانية صغيرة تحمل في طياتها معاني كبيرة.
ومن خلال هذا المسار السردي المتكامل، تتضح الرسالة العميقة التي أراد الكاتب إيصالها للقارئ، وهي أن الإنسان قادر على تحويل جراح الماضي إلى قوة تدفعه نحو المستقبل، حيث نجد أن الأمل هو الركيزة الأساسية التي تمكن الإنسان من النهوض من رماد السنين، ماضياً في درب الحياة بثقة وإصرار، مؤمناً بأن الغد أفضل، وأن ذكرى من نحب تبقى معنا نوراً يهدي خطانا حتى نلقاهم في رحاب الله حيث لا حروب ولا دمار، بل سلام وأمان أبديان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي


المزيد.....




- -الذاكرة-.. مكتبة عائلية تحفظ قرنا من إرث العراقيين الأدبي و ...
- وفاة الفنان محمد الشرشابي أحد أشهر أصوات ديزني العربية
- سينما أوراسية تحتفي بالقيم الإنسانية.. توزيع جوائز -الفراشة ...
- -أنا وياسر عرفات-.. كتاب مصري جديد يكشف ما لا يعرفه كثيرون ع ...
- -الفراشة الماسية-.. جائزة سينمائية أوراسية جديدة تحتفي بالقي ...
- سوريا.. سامر كحلاوي يعلن اعتزال التمثيل ويشترط -ولادة وسط فن ...
- الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.. هل اقتربنا من نماذج تفهم ل ...
- رحيل بلاس جونسون عازف موسيقى سلسلة -النمر الوردي-
- جورجيا.. اعتداء وحشي على سائحة بسبب تحدثها باللغة الروسية (ف ...
- رحيل بلاس جونسون.. الساكسفون الذي منح -النمر الوردي- نغمته ا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذاكرة الحرب في رواية رماد السنين للكاتب حسن العميري ( الجزء الثاني)