أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف














المزيد.....

قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 01:06
المحور: الادب والفن
    


تجلسُ في باحة الحوش الواسعة منذ الصباح الباكر، تحت ظلِّ الشجرة العتيقة وارفة الظل التي حفظت أسرار البيت أكثر مما حفظها البشر. تراقبُ حركة الدجاجات، وقع الأقدام، صوت الباب، وحتى ارتعاش الهواء حين يمر قرب الجدران الطينية. كانت تحدّق في التفاصيل الصغيرة كما لو أن العالم كلَّه قد انكمش في حدود هذا البيت، وكأن الإنسان حين تضيق به الحياة يتحول إلى حارسٍ متعبٍ للأشياء التافهة.
فتحت باب كوخ الدجاجات بيدٍ اعتادت الطاعة أكثر مما اعتادت الحنان، ثم جلست تُحرّك شفتيها بكلمات مبهمة، نصفها تذمر ونصفها الآخر حوارٌ طويل مع هزائم قديمة لا يسمعها أحد. كانت تشعر بأن تأخر زوجة ابنها في الاستيقاظ ليس مجرد عادة عابرة، بل انهيار خفيّ لنظام كامل آمنت به طوال حياتها. فالأعراف حين تسكن الإنسان تتحول مع الزمن إلى عقيدةٍ مقدسة، وأي اختلاف بسيط يبدو وكأنه تمرد على معنى الوجود نفسه.
خرجت الكنّة أخيراً من غرفتها، شعرها مبلل، وفي يدها هاتف مضيء يختصر العالم كلّه في شاشة صغيرة. مرّت بالقرب منها وألقت تحية مقتضبة ثم انشغلت بإعداد فطورها بهدوء لا يحمل أي شعور بالذنب.
رمقتها العجوز بنظرة طويلة؛ نظرة لا تُبصر المرأة بقدر ما تُبصر الزمن الذي تغيّر دون استئذانها.
تمتمت بصوت خفيض:
- أيُّ نساءٍ يُنجب هذا العصر؟
لكن السؤال لم يكن موجهاً للكنّة وحدها، بل للحياة كلها. فهي منذ وفاة زوجها لم تعد تعيش بوصفها امرأة، بل بوصفها وظيفة اجتماعية. كانت في العشرين يوم رحل عنها زوجها، جميلةً، كثيرة العناية بنفسها، تؤمن بأن العمر طريقٌ طويل مليء بالمفاجآت. لكن الموت حين دخل بيتها مبكراً لم يأخذ رجلاً فقط، بل أخذ معها صورتها القديمة أيضاً .أطفأ أنوثتها تحت ضغط النظرات، وأحال أحلامها إلى رماد مؤجل.
في البداية حاولت الاحتماء بالآخرين، لكنها اكتشفت سريعاً أن الإنسان المكسور يتحول مع الوقت إلى عبء في أعين الناس، حتى أولئك الذين يحبونه. عندها بدأت تنسحب ببطء من الحياة، لا احتجاجاً عليها بل خوفاً من خيباتها المتكررة.
كانت الأعراف تُربّيها من الداخل كما تُربّى الخيول على الطاعة؛ امرأةٌ شابة لا يحق لها أن تحب، ولا أن تشتكي، ولا أن تعيد اكتشاف نفسها، بل عليها أن تتحول إلى أمٍّ خالصة، كأن الأمومة قبرٌ مؤجل تُدفن فيه النساء أحياء.
مرت السنوات وهي تُقنع نفسها أن التضحية شكلٌ من أشكال القداسة، لكن شيئاً عميقاً في داخلها ظل يصرخ بصمت:
"وماذا عني أنا؟"
ذلك السؤال الذي أخفته طويلاً عاد يتسرّب على هيئة غضب، تذمر، قسوة، ومراقبة دائمة للآخرين. فالنفس التي تُحرَم من حقها في الحياة تتحول تدريجياً إلى سلطة على حياة غيرها.
ولهذا كانت زوجة ابنها تثير فيها خوفاً دفيناً لا كرهاً حقيقياً؛ فالكنّة تمثل ما حُرمت منه هي:
النوم بلا خوف، الضحك بلا إذن، والعيش دون أن تحمل فوق كتفيها محكمة المجتمع.
في الليل، كان الزوجان يسمعان وقع خطواتها قرب نافذة غرفتهما .تقترب ببطء، تتوقف، تصغي لهمسات الحب الخارجة من الغرفة الشرقية، ثم تبقى واقفة كروحٍ ضائعة تبحث عن شيء سُرق منها منذ زمن بعيد.
كان الابن يدرك حقيقتها أكثر مما يدرك قسوتها، فيرفع صوته قائلاً:
- أمي ضحّت كثيراً من أجلنا…
فتنسحب بصمت.
لكنها حين تعود إلى غرفتها، لا تبكي. بل تُخرج صورة زوجها القديمة، تحدق فيها طويلاً، ثم تمزقها بيدين مرتجفتين. لم تكن تمزق صورته لأنه ظلمها، ولا لأنها كرهته، بل لأنها أدركت متأخرة أن المجتمع حين قدّسه في ذاكرتها، حوّله إلى سجنٍ أبديّ لها.
جلست بعدها وحدها في الظلام، تنظر إلى قطع الصورة المبعثرة فوق الأرض، وفهمت أخيراً حقيقة مؤلمة:
"أن الإنسان لا تُحطمه الفواجع وحدها… بل تُحطمه أيضاً تلك الحياة التي تُجبره على أن يبدو قوياً بينما روحه تنزف بصمت."
وفي الخارج، كانت الشجرة الكبيرة واقفة كما هي، تمنح ظلّها للجميع، لكن أحداً لم يسألها يوماً:
"كم عاصفة احتملت كي تبقى واقفة؟"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...


المزيد.....




- -العم تيتو-.. فنان فلسطيني يداوي جراح أطفال غزة بعروض السيرك ...
- مهرجان الموسيقى العربية الـ34 يفتتح فعالياته بليلة هاني شاكر ...
- فنان هندي يسجل رقماً قياسياً بأكبر لوحة فنية مصنوعة من التوا ...
- دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»
- جلسة عن الإنتاج العربي .. وفيلم هندي ينال رضا النقاد
- من -باب الشمس- إلى -مرسيدس-.. يسري نصر الله يكشف كواليس رسم ...
- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد
- محمد فوزي.. ستة عقود على رحيل رائد التجديد الموسيقي وصانع به ...
- إيدي راما.. فنان تشكيلي يرأس ألبانيا
- باللغة التركية.. محمد صلاح يوجه رسالة -مبطنة- لرئيس فريق بشك ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف