أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: التخاطر














المزيد.....

قصة قصيرة: التخاطر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 00:38
المحور: الادب والفن
    


ينهض من نومه فجأة، كأن حلماً دافئاً انتزعه من برودة الغياب لا من حضن النوم. كان الفرح في عينيه أشبه بوميض لا يُرى إلا في اللحظة التي تسبق الانطفاء، فقد رأى ما كان يتمناه منذ أشهرٍ طويلة؛ أمنيةً ظلت معلّقة بين السماء والأرض، بين القلب والغياب.
كان قد غادرها مجبراً، لا بجسده وحده، بل وكأن شيئاً منه قد تُرك هناك، عند تخوم الحقول الأولى وذاكرة الوداع. ترك قلبه وسره في المكان ذاته، حيث تتقاطع الخطى ولا تلتقي الأرواح. أُجبر في ريعان شبابه أن يبتعد عن أولئك الذين أحبهم حتى صار الحب نفسه عبئاً على المسافة.
تقول له بصوتٍ يتجاوز الحروف:
- سأنتظرك مهما طال الزمان…
كأنها لم تكن جملة، بل عهدٌ مكتوب على سطح الغيب.
يحاول أن ينام من جديد، لا ليهرب من اليقظة، بل ليعيد ترتيب الزمن داخل حلمه. يريد أن يستعيد اللحظة، أن يعيد تشغيل الذاكرة كما تُعاد الأغنية التي لا تُمل. يُغمض عينيه، يضع الوسادة المحشوة بالقش فوق رأسه كمن يحاول إخماد ضجيج داخلي لا يُطفأ. لكن النوم قد ودّع جفونه منذ أن صار الحنين يقظته الدائمة.
يتصنع الصبر، كمن يرتدي قناعاً لا يُقنع حتى نفسه. يحاول إسكان الوجد بين جوانحه، وإطفاء تلك النار التي لا تحترق في الخارج، بل في الداخل فقط؛ نار لا تحتاج إلى وقود سوى الذكرى.
يبتسم وهو يغور في عمق ذاكرته الفتية، حيث الأشياء لا تموت بل تتحول إلى رموز. يتذكر كيف كانا يتبادلان النظر دون أن تكتمل الدائرة؛ عيون تقترب من الاعتراف وتنسحب قبل أن تصير حقيقة. في كل مرة ينظر إليها، كان يشعر بثقلٍ غامض في الجهة اليمنى من وجهه، وكأن الجسد نفسه يشارك القلب ارتباكه.
خفق قلبه لأول مرة لا كعضلة، بل ككائنٍ اكتشف وجوده. كان يحاول أن يعثر على عينيها، أن يسبح في بحيرتيهما العميقتين، أن يحدث تقاطعاً صغيراً في عالمٍ يرفض الاعتراف بما يحدث بينهما. لكنه كان يتشاغل، كأن الحب لا يُقال بل يُؤجل.
هي أيضاً كانت تفعل الشيء ذاته؛ تخفض رأسها في اللحظة التي يشتد فيها الضوء بينهما، وكأن النظرة اعترافٌ لا يليق أن يُكتمل. تتكرر المشاهد، ويتكرر الصمت، حتى صار الصمت لغتهما الوحيدة.
- تُرى، هل تعلم أنني أحدّق فيها الآن؟
سؤالٌ لا ينتظر جواباً، بل يتركه معلقاً في فراغ الاحتمال.
تمر الأيام في الحقل كأنها طقسٌ لا ينتهي، ويتمنى في كل مرة أن يتمدد الزمن، أن ينسى الحقل وظيفته، وأن يتحول إلى مساحة لا تُقاس بالساعات، بل بالاقتراب. كان يريد أن يستمر العمل أياماً فقط كي لا تنقطع النظرات بين لحظة وأخرى، كأن الحب يحتاج إلى تعبٍ كي يبقى حياً.
ثم يأتي النداء.
صوتٌ يقطع الحلم ويعيده إلى الواقع: اسمُه يُنادى، فينهض كما ينهض الواجب في داخل الإنسان قبل أن يتحول إلى فعل. يحمل سلاحه البدائي: رمحاً وقوساً ونشاباً، كأن الزمن لم يغادره بعد. يصعد إلى السور الوسطي العالي، حيث تتسع الرؤية ويضيق القلب في آنٍ واحد. كانت المزاغل كعيونٍ صامتة تطل على عالمٍ متربص، والقمر بدرٌ يسكب ضوءه على الأشياء كأنه يكشف حقيقتها ويخفيها معاً.
الأمكنة واضحة حد القسوة، لكن القلب أكثر وضوحاً من المكان. نهرٌ ينساب في الشرق بصوتٍ يشبه الطمأنينة القديمة، وسورٌ يفصل بين الداخل والخارج، بين ما يُعاش وما يُحرس.
يجلس على دكةٍ صخرية، يسند رمحه إلى الجدار، ويضع يده على جبهته وكأنه يحاول أن يمنع الأفكار من التسرب خارج حدود الرأس. يتنفس بعمق، لا ليهدأ، بل ليغرق أكثر في داخله.
ثم تأتيه مرة أخرى، كما تأتي الفكرة التي لا تموت .يراها تقترب، لا كجسدٍ بل كمعنى. يشعر أن المسافة بينهما لم تعد مكاناً، بل حالة. تتداخل الروحين، كما لو أن كل واحدة تبحث عن ظلها في الأخرى. يمسك بيدها، فيسمع صدى قلبه في قلبها، وكأنهما لم يعودا اثنين بل احتمال واحد.
يهمس:
- وصلتني رسالتك… سأبقى على العهد.
فتبتسم، لا لتجيبه، بل لتؤكد أن بعض الوعود لا تحتاج لغة. تنظر إلى الأرض، ثم ترتفع يدُه نحوها كأنها تحاول أن تكتب ملامح اللقاء قبل أن يكتمل. لكن الصورة تبدأ بالتراجع، كأن الحلم نفسه يخشى أن يصبح حقيقة. تنفك الأيدي ببطء يشبه الانطفاء، وتبتعد، لا كجسدٍ فقط، بل كيقينٍ يُسحب من الداخل.
يعود الصوت الخارجي فجأة: حركة عربات، حوافر خيول، مرور العالم دون أن ينتبه لأحلام أحد. يقف بسرعة، الرمح في يده، والعين تبحث عن شيء لا يُرى. تمر العربة، وتغادر، ويعود الصمت. لكن ما لا يعود هو ذلك العالم الذي رآه قبل لحظة.
هناك، في داخله، ظل حقلٌ آخر لا تُزرع فيه إلا النظرات، ونهرٌ لا يجري فيه الماء بل الاحتمالات، ومدينة لا تحكمها الأسوار، بل الانتظار. وحين يغمض عينيه مرة أخرى، لا يعود يتساءل إن كان ذلك حلماً… بل إن كان الواقع هو الذي يحلم به.
وفي المسافة بين نبضةٍ ونبضة، كان يقف العالم كله على حافة سؤالٍ لا يُجاب…
"هل نعيش ما نراه، أم نرى ما نشتاق إليه كي نستطيع أن نعيش؟"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام
- من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آ ...
- قصة قصيرة: هواجس الليل
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب


المزيد.....




- الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
- رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال ...
- قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و ...
- المغرب: نحو 30 شريطا سينمائيا في السباق ضمن النسخة السابعة م ...
- اصدار مجموعة متاهة الآلات النائمة عن دار العائدون للنشر وال ...
- ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: -مهدي بلا كويند- ...
- ما الذي يجعل مشهد -حصان طروادة- في فيلم -الأوديسة- مذهلاً لل ...
- -الجريمة 101-.. حين تعود هوليوود إلى أفلام الجريمة الهادئة
- -أصوات التراث-.. أول مهرجان روسي للأغنية السوفيتية في موسكو ...
- ظنوه خارجا من فيلم خيال علمي.. ما سر الراكون -جيموثي- الذي ح ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: التخاطر