داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 21:14
المحور:
الادب والفن
تأتي رواية رماد السنين للكاتب حسن العميري كوثيقة إنسانية نابضة بالحياة، تروي سيرة ذاتية متخيلة لواقع عاشه العراقيون في حقبات ماضية مضطربة؛ إذ يتداخل الحزن بالفرح، وتتشابك الذكريات الشخصية مع الذاكرة الجمعية لوطن مزقته الحروب العبثية. ومن ثم، يمكن القول إن هذه الرواية ليست مجرد سرد لأحداث متفرقة، بل هي توثيق لروح إنسان صقلته الظروف القاسية، وعاش الفرح بامتنان، وتجاوز التحديات بإيمان راسخ ليحيك قصة حياةٍ استحقت أن تُعاش رغم كل شيء.
وعليه، سنحاول في هذا المقال التأملي الغوص في أعماق هذه الرواية، مستكشفين كيف استطاع الكاتب أن يصور لنا أن العقل البشري، بما يحمله من إرادة وأمل، يمكنه أن يكون أقوى من الدمار الذي تخلفه الحروب والأزمات المتلاحقة. وفضلاً عن ذلك، فإن الرواية تقدم لنا نموذجاً فريداً في الصمود الإنساني، حيث ينهض البطل من رماد السنين حاملاً ذكرى من أحب، مكملاً المسير بخطى ثابتة وواثقة نحو غدٍ أكثر إشراقاً.
ترسم لنا الرواية صورة بديعة للبيوت الطينية البسيطة التي كانت تحتضن حياة الناس على ضفاف نهر دجلة الخالد، حيث تصف الكاتب هذه البيوت بأنها "بيوت طينية بسيطة" تتشابه في البناء والتصميم، موزعة على جانبي الطريق المعبد الوحيد الذي يفصل القرية إلى جانبين. وعلاوة على ذلك، كانت هذه البيوت تتجه باتجاه القبلة، أي نحو الجنوب للقادم من الموصل، وما عدا ذلك من ملحقات صغيرة كالمطابخ والمخازن وغرف الحيوانات. وبالتالي، نجد في هذا الوصف الدقيق إيحاءً بالبساطة والتواضع، لكنه في الوقت نفسه يعكس روح التكافل والتماسك الاجتماعي؛ إذ تتشابه البيوت كما تتشابه القلوب في حب الوطن والأرض. وهنا، يستحضر الذهن قول الشاعر "محمود درويش":
"وطني ليس حقيبةً،
وطني ليس جسداً،
وطني هو ما حمّلته من حنين"
لأن هذه البيوت كانت تحمل في جدرانها الطينية حنيناً عميقاً إلى حياة مفعمة بالأمل رغم قسوة الظروف المحيطة. ثم إن الكاتب لا يكتفي بوصف المظهر الخارجي لهذه البيوت، بل يتعمق في تفاصيلها الداخلية، محدثاً إيانا عن السقوف الخشبية المتناسقة التي كانت تأوي عصافير السنونو، وعن المدفأة القديمة التي كانت تحتضن ليالي الشتاء البارد بحكاياتها وأحاديثها التي لا تنقطع. حقاً، لقد كانت تلك البيوت الطينية شاهداً صامتاً على حياة بسيطة لكنها غنية بالمعاني الإنسانية العميقة.
يأخذنا الكاتب في رحلة زراعية بديعة إلى حقول الشعير التي تحصد قبل حقول الحنطة، في تلك الأراضي الزراعية الواسعة التي تسقى باستخدام المكائن المنصوبة على نهر دجلة. ومن الجدير بالذكر أن مشهد الحصاد كان يفيض بالحياة والحركة، حيث تتداخل فعاليات الفرح والتعب والشعور بالاطمئنان، لا سيما وأن الحصاد كان يتم يدوياً لقلة وجود المكائن في ذلك الوقت. وفي هذا السياق، يصور الكاتب كيف كانت النساء تساهم بشكل رئيسي في عملية الحصاد، وكيف كانت الأغاني التي تغنى في تلك المواسم تعطي لوناً خاصاً للحياة، لدرجة أنه أورد مثالاً لأحدى أغاني الحصاد التي كانت تتردد في تلك الفترة. وعليه، لا يسعنا إلا أن نتذكر قول "جبران خليل جبران":
"في بذرة كل زرع حياة، وفي كل حصاد موت"
لكن الموت هنا كان موتاً محفوفاً بالأمل في موسم جديد، موتاً يبعث الحياة في سنابل الخير، وكأن الأرض تمنح أبناءها دروساً في الصبر والعطاء والجَلَد. إضافة إلى ذلك، يصف الكاتب كيف كان الفلاحون يشدون أحزمتهم على بطونهم ليزدادوا همة ونشاطاً، وكيف كانت النساء يرتدين أثواباً بألوان معتمة وشالات تغطي الوجوه وقاية من الشمس اللاهبة في موسم الصيف الشديد. وهكذا، تتجلى أمامنا صورة متكاملة للحياة الزراعية بكل تفاصيلها، مع ما فيها من تعب وشقاء، لكنها أيضاً مليئة بالسعادة الغامرة التي تأتي من الاعتياد على هذا الوضع الجميل رغم صعوبته.
وإذا كانت البيئة الريفية بما تحمله من بساطة وعفوية قد أسهمت في تشكيل ملامح الطفولة الأولى، فإن الرواية تنتقل بنا إلى الشخصية الأكثر تأثيراً في وجدان البطل، وهي شخصية الجوهرة التي تمثل القلب النابض للأسرة، حيث تتجلى شخصية الجوهرة، والدة حسان، كجوهرة حقيقية في الرواية؛ إذ كانت امرأة ذات مواصفات نادرة، جمعت بين الجمال الأخاذ والذكاء الحاد وملكة القيادة والزعامة، رغم صغر سنها.
ومن ثم، كانت الجوهرة بالنسبة للباشا وعائلته موهبة وهبها الله، تجيد التصرف مع أهل البيت وضيوفه الكثر، وتتمتع بحنو الأمومة الذي جعلها تحتضن أبناء الباشا الكبار الذين فقدوا والدتهم وهم صغار. لكن القدر لم يكن رحيماً بهذه المرأة، حيث تعرضت لصدمة فقدان ابنتها "زين" في السنة الثانية من عمرها، ثم لحقت بها آلام المرض اللعين الذي بدأ يسرق منها بريقها وصحتها شيئاً فشيئاً. وعلاوة على ذلك، نرى في مشاهد مرضها رقة المشاعر الإنسانية الفائقة، وكيف كانت تحاول التماسك والتظاهر بالقوة أمام أبنائها حتى لا تثقل عليهم، وكيف كانت تبتسم رغم الألم وتحدثهم عن المستقبل وكأنها تمدد عمرها بهذه الطريقة. وهنا، يستحضر القلب قول الشاعر "نزار قباني":
"الأمومة ليست كلمة، الأمومة هي أن تمنحي الحياة مرتين"
والجوهرة منحت الحياة لحسان ولأبناء الباشا جميعاً، وظلت في قلوبهم نوراً لا يخبو حتى بعد رحيلها. وحقاً، لقد كانت الجوهرة مثالاً للمرأة العراقية الأصيلة، التي تجمع بين القوة والضعف، بين الصلابة والحنان، بين القيادة والخضوع، كل ذلك في آن واحد، مما جعلها شخصية استثنائية لا تُنسى في ذاكرة الرواية.
ومن دائرة الأسرة الصغيرة إلى الفضاء الوطني الأوسع، تتسع الرؤية السردية لتكشف عن جذور الوعي القومي الذي تشكل مبكراً في شخصية حسان. لذا، لم تغفل الرواية عن البعد القومي والانتماء الوطني، بل إن هذه التداخلات تظهر بوضوح في أكثر من موضع، بدءاً بحديث خال يعقوب عن حرب فلسطين، وكيف كان الجيش العراقي يقاتل دفاعاً عن الأرض العربية، وصولاً إلى النظرة الثاقبة التي عبرت عنها الجوهرة حين قالت لحسان:
"إنها بريطانيا وأمريكا أم المشاكل، هي التي أعطت أرض فلسطين لليهود"
وهكذا، نجد أن الحس القومي في الرواية ليس مجرد شعارات سياسية جوفاء، بل هو انتماء عميق للأرض والتاريخ، يتشكل عبر التنشئة الأسرية والحوارات اليومية التي يسمعها الطفل من الكبار. إضافة إلى ذلك، نرى كيف تأثر حسان بهذه الأفكار حتى وهو طفل، حين سأل أمه:
"لماذا لم يدافع رجال فلسطين عن بيوتهم؟ أليس لديهم بندق مثل رجال قريتنا؟"
وفي هذا السياق، يبرز في الذهن قول الشاعر "أحمد مطر":
"وطني لو شُغلتُ بالخمر عنه... لضاع الخمر، وضاع الوطن"
لأن الحس القومي في الرواية ينبع من القلب قبل العقل، من المشاعر قبل الأفكار، وهو ما يجعله قوياً ومؤثراً في تشكيل وعي الأجيال. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن الكاتب يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب الحروب وطبيعة العداوات، متسائلاً:
"هل هو عداء الفرس للعرب بشكل عام، أم عداء حكام ابتليت بها الشعوب ودفعت ثمن طغيانها؟"
مما يعكس رؤية نقدية ثاقبة للتجاذبات السياسية التي مزقت المنطقة.
وبعد أن تشكلت البذور الأولى للوعي داخل الأسرة ومجالس الكبار. كان لا بد لهذا الوعي أن يجد فضاء جديداً للنمو والتطور، فكانت المدرسة المحطة التالية في رحلة التكوين. حيث تمثل المدرسة في الرواية عالماً جديداً لحسان، عالماً يختلف عن بيته الطيني وحقول الشعير؛ حيث يصف الكاتب تلك البناية البسيطة التي تحتضن العشرات من الأطفال، مع ما يرافق ذلك من صراخ ولعب ولهو وركض ومسابقات وبكاء هنا وصياح هناك. وعلى وجه الخصوص، كان اللقاء الأول مع المعلمة "ولاء" لحظة فارقة في حياة حسان، تلك المرأة الرائعة الجميلة التي علمته حروف اللغة العربية وجعلته يكتب "دار، وداران، وبيت، وبوق، وكل كلمات التعليم الأولى". ومن ثم، فإن المدرسة كانت لحسان نافذة يطل منها على عالم أجمل، رغم قسوة الواقع المحيط به. وفي هذا الإطار، نستحضر قول الفيلسوف "أفلاطون":
"التعليم هو توجيه العقول نحو التفكير الصحيح"
لأن حسان بدأ يتعلم ليس فقط الحروف والكلمات، بل أيضاً دروساً بليغة في التربية والنظافة وأسلوب الكلام وآداب الحياة التي ظل يحفظها حتى اليوم. وعلاوة على ذلك، يصور الكاتب كيف كان حسان يعود من المدرسة متعباً، ثم يلقي بنفسه في حضن أمه الجوهرة ليتلقى دروساً أخرى في التربية الأساسية التي لا تنضب. وهكذا، تتكامل المدرسة والبيت في تشكيل شخصية حسان، كلٌ بطريقته، لكنهما يسيران في اتجاه واحد نحو بناء إنسان متوازن قادر على مواجهة تحديات الحياة.
ومع اتساع مدارك حسان وتقدمه في العمر، بدأت الأحلام تكتسب ملامح أكثر وضوحاً، لتأتي هذه الرحلة إلى بغداد بوصفها نقطة تحول حاسمة في رسم مستقبله. في مشهد مهيب لا يُنسى، يرافق حسان والده الباشا وأفراد الأسرة إلى بغداد لحضور حفل تخرج أخيه عزام وابن عمه حميد من الكلية العسكرية. وعند الوصول، رأى حسان تجمعاً كبيراً من العوائل من جميع أطراف العراق، واحتفالاً شعبياً عفوياً مليئاً بالدبكات على أصوات الطبول والرقصات الشعبية الجميلة. ثم بعد فترة قصيرة، وصل الخريجون من الضباط الجدد بعد أن أكملوا العرض العسكري أمام قياداتهم، يرتدون بدلاتهم الجديدة والنجوم الذهبية تتلألأ على أكتافهم، وهم فرحون مزهوون واضعين العراق على أكفهم تقديراً وتشريفاً.
ومن الجدير بالذكر أن أكثر ما أثار إعجاب حسان هو مشهد تسليم العلم، حيث كان الخريجون حريصون على تسليم راية دورتهم للدورة التي تليهم بكل خشوع ومسؤولية. وفي هذا السياق، يستحضر القلب قول الشاعر "أبي فراس الحمداني":
"أرى الموتَ دونَ الموتِ عاراً على الفتى إذا لم يُصِبْ في مَأزِقِ الحربِ مَصرَعا"
لأن حسان رأى في هؤلاء الضباط نموذجاً للرجولة والتضحية والانتماء، وهو ما جعله يتمنى أن يكون يوماً واحداً منهم. وبالفعل، كان هذا المشهد نقطة تحول في حياة حسان، حيث زرع في نفسه حلماً سيظل يطارده حتى يتحقق بعد عقد ونصف من الزمن.
ولم يكن ذلك المشهد الاحتفالي مجرد ذكرى عابرة في ذاكرة حسان، بل تحول إلى بذرة حلم أخذ ينمو بصمت عاماً بعد آخر. إذ تغلغلت رغبة حسان في أن يصبح ضابطاً في الجيش العراقي في أعماق الرواية، فتصبح حلماً يراوده ليلاً ونهاراً، وطموحاً يحدو خطواته في كل مرحلة من مراحل حياته. ومن المهم أن نلاحظ أن هذه الرغبة لم تولد من فراغ، بل من تأثره بتخرج أخيه عزام، ومن حديث خاله يعقوب عن حرب فلسطين، ومن حب الوطن الذي غرسه فيه والداه، ومن إعجابه بالضباط وهم يؤدون مراسم التخرج بكل فخر واعتزاز. وعليه، فإن أمنية حسان لم تكن مجرد طموح شخصي، بل هي انتماء وواجب نحو الوطن الذي أحبه وعاش فيه. وفي هذا السياق، تبرز حكمة الجوهرة حين سألها حسان:
"هل يحق لي أن أصبح طالباً في الكلية العسكرية مثل أخي؟"
فأجابته:
"نعم يحق لك، ولكن ليس الآن... بعد أن تجتهد وتدرس وتكتب واجباتك وتنجح في دراستك عندها سنفرح بك وأنت طالب في الكلية العسكرية"
وهكذا، كانت الأم الحكيمة ترسم الطريق لابنها، وتعلمه أن الأحلام تتحقق بالعمل الجاد والاجتهاد، لا بالتمني وحده. وكما يقول المثل العربي:
"من جد وجد، ومن زرع حصد"
فقد كان حسان مصمماً على تحقيق حلمه، ولم تأخذه السنوات الطويلة ولا الصعاب الكثيرة عن هدفه المنشود.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟