أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: سيعاني














المزيد.....

قصة قصيرة: سيعاني


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 00:26
المحور: الادب والفن
    


يجلسُ في شقتهِ في الطابقِ الأولِ يرقبُ حركةَ الأشخاصِ وسطَ عتمتها رغم وجودِ الشمسِ في كبدِ السماءِ تحجبها بعضُ الغيومِ بعدما غادرَ قريته بدعوى الاستقرار، فالبناياتُ الشاهقةُ الارتفاعِ من الجهاتِ الثلاثةِ عدا الشماليةِ منها أدت إلى مضاعفةِ تلك العتمة، ما بين لحظةٍ وأخرى يرفعُ عينيه عن الكتابِ الذي يطالعُ فيه بعدما يضعُ سبابته ما بين صفحاته، فيمعنُ النظرَ في المارةِ رغم قلتهم، ويحركُ حاجبيه كأنه يدخلُ في حالةِ إنذار، ثم يغطُ في نومٍ عميقٍ فجأة وهو يقرأ، يسافرُ إلى سنينٍ خلت في عمله الوظيفي، ليجدَ رؤساؤه يتهامسون فيما بينهم وبنظرةِ عدم اكتراث، فيستفيقُ هلعاً غارقاً في عرقهِ وقد ازدادَ هيجانا، فبعد أن أكملَ مسيرته الوظيفية تلك على أتمِ حالٍ كما يعتقدُ بعد تلكِ السنينِ كلِّها التي مرت ولم تشبها شائبة، يحاولُ الآن أن يتعايشَ مع التقاعدِ القسري, ومع سيلِ المقارناتِ التي تبدأ ولا تنتهي، فثمةُ أشياءٍ في الحياةِ لا يمكنه مغادرتها، وقد تكون عصيةَ الفهم، ولم يعدْ يعي تماما تلك التبعاتِ غير المتوقعةِ من جراءِ حرصهِ الشديدِ في إنجازِ الواجباتِ لمن هم في معيته التي أصبحت نقطةً سوداءَ على الرغمِ من صحةِ إجراءاته في حينها، فالتقلباتُ التي غالبا ما تتكررُ قد كتبت له مصيره, في ظلِ التسلقِ المحمومِ الذي يشهده الوسطُ الذي يعيش فيه، لذا أخذت تداهمه المخاوفُ من كون الخطأ أصبح بمكانِ الصح في ظلِ المعايير الجديدة، لم يحصلْ على إجاباتٍ تقطعُ الشكَ باليقين، لتبقى النهاياتُ أقربُ إلى السائبة، لتتلاشى مع توالي مرورِ ساعاتِ النهار.
للروتينِ دوره في هذه الغرفةِ الصغيرة، لذا بدا يرهفُ السمعَ للخطواتِ الصاعدةِ إلى الشققِ العلويةِ والهابطةِ منها في ذلك المرقى الذي تغمره الظلمةُ كذلك، ينتابه الخمولُ عندما يكون المكانُ صامتا، ثم يتحولُ إلى خشيةٍ ووجلٍ حينما يستمعُ إلى وقعِ الخطوات، وقد ظهرت إماراتُ شيخوخةٍ مبكرةٍ من تكرارِ ذلك، وأخذت الأخاديدُ تتعمقُ في جبهته وما تحت العينين، فمع أولِ قدحِ شاي أحمرِ في كلِّ صباحٍ يُصنعُ على عجلٍ كأنه المفتاحُ الذي يدخله إلى الحياةِ في يومٍ جديدٍ, يعاودُ ظهورَ شريطُ السنينِ في يقظته المفترضةِ ولتداهمه في أحلامه كذلك، فلا يعي إن كان يعيشُ الحاضرَ في هذا العالمِ أم هي السنين التي مضت, فالماضي يتداخلُ بحاضره ويتلاشى معها الشعورُ بالزمن، لذا أخذت العزلةُ تجبره بلا وعي منه في الغوصِ في لجةِ الأفكار، يحاول الهروبَ في فجواتِ الزمنِ عسى أن يجدَ مخرجاً هادئاً ينزوي فيه، وأكثر ما كان يشده فترةُ ما بعد الغروب، فتتحولُ خلفياتُ البناياتِ التي تفتقرُ في الغالبِ إلى الإنارةِ إلى أشباحٍ أسطوريةٍ تخفي أسراراً لا أحدا يعلمُ بها، ليتمنى أن يكون جزء منها، فيجدُ كلماتِ والدته التي دائما ما كانت تكررها على مسامعه قد حضرت.
- يا بني, كن مع الريحِ ولا تعاكسها.
يحاولُ أن ينسى، وأن يستخدمَ الممحاةَ مع تلك الذكريات، فلقد كان رجلاً طيباً كما كان يسمع، تلك الصفةُ التي ما زالت ترنُ في أذنيه رغم مرورِ سنينٍ طويلةٍ فتزيده هيجاناً وتخبطا، لتظهره بأنه غير واعٍ لا للمكانِ ولا للزمان الذي ينتمي إليهما، لذا فمحاولاته كلُّها خلفت في نفسه شعوراً بالقلقِ بعدما تصرفَ وفقَ ما يعتقدُ بل وحشا مخيلة ابنه الوحيد بتلك الأفكارِ التي ترفضُ أن يمسكَ العصا من المنتصف، فولدت منه بعد تلك السنينِ كلِّها كهلاً منكمشاً يكتنفه الغموضُ بعدما تجذرَ الرعبُ في أعماقه كنتيجةٍ حتميةٍ لما يدور، يود لو يزيح ذلك العبءَ عنه.
- ترى, هل سيغفر لي ولدي الوحيد؟
يسمعُ صوتَ ذلك الابن يصله من الصالةِ وهو يجيب على مكالمةٍ في هاتفهِ النقال، يرفضُ القبولَ بالمهادنة، لذا إصابته حالةٌ من الهلع، يحاولُ أن ينهضَ من مكانه, ينوي ردعه عن هذا التصرفِ بعدما وضع فاصلاً بين أوراقِ الكتابِ الذي كان ما يزال يتصفحه، وحينما وصلَ إلى تلك الصالةِ وجده يبتسم وفي وجهه تبدو على ملامحه علاماتِ الرضا، فالولدُ رغم ذلك كلِّه شابٌ ممنهجٌ في ترتيبِ أشيائه في غرفتهِ الضيقةِ قرب تلك الصالة، مهذبٌ في اختيارِ الكلمات, إلا أنه يندفعُ بردةِ الفعلِ كحالِ والده في شبابه، لذا بدا يحاولُ أن يحميه، أن يقولَ له الحقيقةَ التي اكتشفها مؤخرا، إلا إن شفتيه بدأت ترتجفان، وظهر ذلك جليا في حركةِ سيجارته التي كان يمزها ما بين تينك الشفتين، فالكلماتُ التي في جعبته مهما حاول صياغتها لم تعدْ كافيةً بقدرِ تلك المأساة، وبقدرِ ما كان يعتبرُ والده حكيما، وسنين عمرِ الولدِ التي ضاعت وهو يؤمنُ بأفكارٍ لم تعط إلا نفعاً قليلاً بالقياسِ بالضررِ الذي سيخلفه حتما حينما يتقدمُ به العمرُ ويكتشفُ الحقائقَ، فسيختارُ حينها الظلمةَ عاجلا أم آجلا، في عزلةٍ ربما ستطول، وستكون تلك البدايةُ لسهادٍ متواصل، لذا عادَ إلى غرفته التي تعودَ عليها، وبدأ يبتهلُ عسى أن يحميه وإن أيقن بأنَّ الأوانَ قد فات وأنَّ دورةَ حياته حتما ستتجدد في ابنه الوحيد، وسيعاني.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد


المزيد.....




- -الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي ...
- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...
- وزير الثقافة الليبي الأسبق: صفقة واشنطن قد تبقي ليبيا بلا ان ...
- متحف زيلارت بموسكو يستضيف روائع الفن العالمي من مجموعة المتح ...
- -ملائكة لادوغا- يحصد جائزة في مهرجان منظمة شنغهاي للتعاون ال ...
- الفروسية في تونس.. إرث ثقافي يواجه تحديات مالية تهدد استمرار ...
- انطلاق مهرجان إيغور بوتمن الدولي للجاز في بطرسبورغ
- -مجنونة أحمد العوضي- تثير الجدل مجددا وتوجه رسالة للفنان الم ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: سيعاني