أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في كتاب حروف نُسجت على صفحات جنزار للدكتورة سُكرة علي الكبيسي















المزيد.....

حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في كتاب حروف نُسجت على صفحات جنزار للدكتورة سُكرة علي الكبيسي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 12:19
المحور: الادب والفن
    


ثمة أصوات لا تنطفئ مهما تعاقبت الأزمنة، لأنها لم تُخلق لتُسمع فحسب، بل لتُعاش وتُورث جيلاً بعد جيل. وحين تتراجع الذاكرة الفردية أمام سطوة الزمن، تنهض الذاكرة الجمعية لتحتفظ بما تبقى من ملامح الإنسان والمكان. من هنا كان الموروث الشعبي أكثر من مجرد حكايات وأهازيج وأشعار؛ إنه السجل الوجداني للأمم، والمرآة التي تعكس ملامح هويتها الثقافية والاجتماعية.
ولعل الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" كان مصيباً حين رأى:
"أن الذاكرة هي الحارس الأمين للهوية"
لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من ذاتها. ولهذا تكتسب الدراسات التي تُعنى بالموروث الشعبي أهمية خاصة، إذ لا تكتفي بتوثيق الماضي، بل تسهم في صيانة الروح التي صنعت ذلك الماضي.
وفي هذا السياق يأتي كتاب "حروف نُسجت على صفحات جنزار للدكتورة سُكرة علي الكبيسي" بوصفه محاولة واعية لاستنطاق الذاكرة الشعبية لمنطقة الشرقاط، واستعادة ما اختزنته من صور وأصوات وتجارب إنسانية ما زالت تنبض بالحياة رغم تبدل الأزمنة. فالكتاب لا يكتفي بتسجيل الموروث، بل يحوله إلى مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بأرضه وتاريخه ووجدانه.
فالموروث الشعبي، في جوهره، ليس حنيناً عابراً إلى الماضي، ولا بكائية على زمن مضى، بل هو احتفاء بالأصالة واستحضار للقيم الإنسانية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي. وهو ما ورثه الأبناء عن الآباء والأجداد من حكم وتجارب وأمثال وأشعار وحكايات، حتى غدا بناءً ثقافياً متراكماً شاركت في تشييده أجيال متعاقبة.
وقد قال الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر":
"الإنسان يسكن العالم باللغة"
ولعل اللغة الشعبية هي أكثر اللغات التصاقاً بروح المكان، لأنها خرجت من رحم التجربة اليومية، وحملت نبض الناس البسطاء وأحلامهم وانكساراتهم. لذلك ظل الموروث الشعبي عصياً على الاندثار، إذ لم تستطع الحداثة، على الرغم من صخبها، أن تنتزع تلك الومضات الراسخة في أعماق الوجدان.
ومن بين أبرز تجليات هذا الموروث الشعبي في منطقة الشرقاط فنّا العتابة والزهيري، وهما ليسا مجرد أنماط شعرية شعبية، بل شكلان من أشكال التعبير الوجداني العميق، استطاعا أن يحفظا ذاكرة الإنسان الريفي والبدوي، وأن ينقلا تفاصيل حياته بلغة تجمع بين البساطة والعمق.
فالعتابة ليست أبياتاً تُقال فحسب، بل هي أنين روح تبحث عن متنفس للحزن، ونافذة يطل منها الإنسان على ما يعتمل في داخله من شوق وألم وحنين. إنها ذلك الصوت الخارج من قلب التجربة الإنسانية حين تعجز اللغة المباشرة عن حمل ثقل المشاعر.
وتقوم العتابة غالباً على وزن الوافر، وتنتهي أشطرها الثلاثة الأولى بألفاظ متشابهة لفظاً مختلفة معنى، لتأتي القفلة الرابعة مختلفة في اللفظ والمعنى، فتمنح النص بعداً جمالياً قائماً على المفارقة والدلالة المزدوجة. وهذا البناء الفني لم يكن وليد المصادفة، بل يعكس ذكاءً لغوياً وقدرة على تطويع المفردة الشعبية لتؤدي أكثر من معنى في آن واحد.
ولعل ما يميز العتابة أنها ولدت من رحم المعاناة الإنسانية. فالشاعر الشعبي لم يكن يكتب في عزلة عن الواقع، بل كان يعيش تفاصيل الحياة بكل ما فيها من أفراح وأحزان. لذلك جاءت العتابة محملة بصدق التجربة، وكأنها دمعة تحولت إلى كلمات.
ومن الشواهد التي أوردتها الكاتبة قول الشاعر:
أبات الليل چالمحزون عالظن
ونياب الدهر بحشاي عظّن
أنا المچتول يا خِلّان عالظن
ابتهيمه والشهود أنطوا گفا
لا يقف هذا النص عند حدود حادثة فردية، بل يتجاوزها إلى تصوير مأساة إنسانية أوسع، هي مأساة الظلم حين يتحول الظن إلى حقيقة، والشك إلى حكم، والإشاعة إلى مصير. فالشاعر يرسم صورة لإنسان سُلب حقه وحياته بسبب تهمة لم تثبت، ليغدو الظن في النص رمزاً لكل الأحكام المتسرعة التي قد تدمر حياة الأبرياء.
أما عبارة ونياب الدهر بحشاي عظّن، فتجسد الدهر في صورة وحش كاسر يغرس أنيابه في الأحشاء، وكأن الألم لم يعد حدثاً خارجياً، بل صار جزءاً من الجسد والروح. وهنا تتجلى قدرة الشعر الشعبي على تحويل التجربة الفردية إلى صورة إنسانية عامة يتماهى معها المتلقي مهما اختلف الزمان والمكان. فالكلمة الأولى كانت كالمحزون على نعمة الانجاب، والثانية الأنياب في الأحشاء، والثالثة المقتول على الظن،، والقفل إنها كانت تهمة وكان الشهود زور.
وإذا كانت العتابة صوت الوجع الإنساني، فإن الزهيري يبدو أقرب إلى الحكيم الذي يجلس عند مفترق الطرق ليروي خلاصة ما تعلمه من الحياة. فهو بناء شعري يقوم على سبعة أشطر، تتكرر فيها القوافي بطريقة فنية تمنح النص كثافة دلالية ومساحة واسعة للتأمل، فالثلاثة الأولى متشابهة القوافي مختلفة المعنى، والثلاثة الأخرى أيضا متشابهة القوافي مختلفة المعنى، أما السابعة فتكون كالقافية الثلاث الأولى لكنها مختلفة في المعنى.
وقد نُسب هذا الفن إلى الشيخ عبد الله الزهيري، وأصبح مع مرور الزمن من أبرز الفنون الشعرية الشعبية التي تحمل الحكمة والخبرة الحياتية، حتى غدا أشبه بفلسفة شعبية مكثفة تُصاغ بلغة الشعر.
ومن النماذج التي أوردتها الكاتبة قول الملا صالح بن حمد الشبلي:
وآني برؤيا المنام إنباح لي بالسرا
إن الليالي إتحب مسايسه بالسرا
إن جاد حظّك نباتك عالندى بالسرا
وإن شاه حظك لولنّه بالسجي ذابلي
تبلى القرون ونحـن بعدهم ذابلي
الرجح للأكثر إيگولون الحچي ذا بلي
الحگ بالسيف والعاجز إبحسن السرا
في هذا الزهيري تتجسد رؤية فلسفية للحياة تقوم على فكرة التحول والتبدل. فالليالي لا تستقر على حال، والحظ ليس ثابتاً، والرخاء لا يدوم، كما أن الشدة ليست أبدية. إنها نظرة قريبة من قول الفيلسوف "هرقليطس":
"لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين"
لأن كل شيء في حالة تغير دائم حتى الماء يتبدل. ويستثمر الشاعر صورة النبات ليجعلها استعارة للإنسان نفسه؛ فإن وافقه الحظ نما وازدهر، وإن عاكسته الظروف ذبل وانكسر. ثم ينتقل إلى حقيقة الزمن الكبرى حين يؤكد أن القرون تبلى، وأن الإنسان جزء من هذه الدورة الكونية التي لا تستثني أحداً.
وهنا لا يبدو الزهيري مجرد نص شعري، بل تأملاً وجودياً في مصير الإنسان، ومحاولة لفهم العلاقة بين القدر والإرادة، وبين القوة والضعف، وبين الحقيقة والوهم.
ولعل ما يمنح هذا الكتاب قيمته الإضافية أن مؤلفته ليست باحثة في الموروث الشعبي فحسب، بل هي ابنة لهذه البيئة، عاشت تفاصيلها، ولامست أحزانها وأفراحها، وخبرت ما يختزنه هذا الشعر من مشاعر وتجارب، فهي كاتبة للعتابا والزهيري وداخلة في مساجلات عديدة. ولذلك جاءت قراءتها للعتابة والزهيري قراءة تنبع من الداخل، من صميم التجربة الإنسانية ذاتها.
على ضوء ما تقدم، فإن العتابة والزهيري لم يكونا مجرد وسيلتين للتعبير الفني، بل أديا دوراً مهماً في صون الذاكرة الجمعية، ومقاومة النسيان، وحفظ القيم الاجتماعية، بل وتحولا أحياناً إلى وسيلة للنقد الاجتماعي والسياسي عبر الرمز والتلميح والمجاز.
إن قراءة الموروث الشعبي ليست عودة إلى الوراء، بل هي عودة إلى الجذور التي تمنح الشجرة قدرتها على الاستمرار في مواجهة الريح. فالعتابة والزهيري ليسا بقايا زمن مضى، وإنما أصوات ما زالت تسكن وجدان الناس، وتحمل في ثناياها حكمة الأجداد وتجاربهم ورؤيتهم للحياة.
ومن هنا تتجلى أهمية كتاب "حروف نُسجت على صفحات جنزار"، لأنه لا يستحضر الماضي بوصفه ذكرى جامدة، بل يقدمه بوصفه طاقة ثقافية قادرة على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل. وحين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري، فإنهما لا يرويان حكاية فرد أو مكان فحسب، بل يرويان حكاية الإنسان وهو يقاوم النسيان، ويتمسك بهويته، ويترك أثره في الزمن قبل أن يمضي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً
- قصة قصيرة: الراعي
- قصة قصيرة: مصاب أنثى
- قصة قصيرة: الانتظار الممتد
- قصة قصيرة: رحلةُ الأوهام


المزيد.....




- متحف زيلارت بموسكو يستضيف روائع الفن العالمي من مجموعة المتح ...
- -ملائكة لادوغا- يحصد جائزة في مهرجان منظمة شنغهاي للتعاون ال ...
- الفروسية في تونس.. إرث ثقافي يواجه تحديات مالية تهدد استمرار ...
- انطلاق مهرجان إيغور بوتمن الدولي للجاز في بطرسبورغ
- -مجنونة أحمد العوضي- تثير الجدل مجددا وتوجه رسالة للفنان الم ...
- المتحف البحري العسكري المركزي ينظم سلسلة معارض في مناطق روسي ...
- محمد إسكندر بعد إلغاء حفله في سوريا: لم أحمل سلاحا وأدعو لفت ...
- اتهام فنان مصري بسبب شهيرة.. وبيان يكشف التفاصيل
- -داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي- مسرح الإسكندرية يعيد إحياء ...
- روبن ويليامز في ذكرى ميلاده الـ75.. الكوميدي الذي أضحك العال ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في كتاب حروف نُسجت على صفحات جنزار للدكتورة سُكرة علي الكبيسي