أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الجمرة














المزيد.....

قصة قصيرة: الجمرة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 12:21
المحور: الادب والفن
    


يتسربلُ بعباءتهِ المذهبةِ الأطراف في صباحٍ ينهمرُ فيه ماء المطر بين خفة وغزارة لتطرق فيه حبات المطر زجاج النوافذ، هبوب الرياح القوية التي تسقط معها الأوراق الصفراء عن الأشجار, تُنذر الرياح الجنوبية الشرقية بسقوطِ المزيد من تلك الأمطار الغزيرة، ينهضُ من نومه مبكراً مهموماً بعد أن داهمته كوابيسِ عديدة والخاصةِ بتلك الفجيعة التي لا يتمكن الافصاح عنها.
أخذ يذرعُ الغرفة ذهاباً وإياباً، يتخيلها أمامه، كيف تم الغدر بها خفية عند منتصف الليل الشتوي الممطر قبل شهر تقريبا وهي من قبيلته التي يتزعمها؟ يتخيلُ ضجيجاً وعبارات لأشخاصٍ لم يفارقوه أبداً، يُلقي من نافذة الغرفة نظرةً سريعة، فلديه اليوم عمل لا بدَّ من إنجازه، يتمنى لو يتوقف المطر لساعات– ساعات قليلة فقط- ريثما ينهي عمله، أصبح لزاماً عليه تأجيل ارتباطاته كلها، حاجته إلى الرأي لمن يطمئن إليه ويستند، يشعر بدافع قوي يجبره على الإمساك بالقلم والكتابة على الورقة البيضاء فوق المنضدة القريبة، يتخيل صاحب الرأي واقفاً أمامه، يلبسُ الكوفيةَ والعقالَ، تشتبك نظراتُهما، يتأملُ في ملامحهِ متلقِّيًا بلهفةٍ كلَّ حرف يخرجُ من الفم، أخذ يحدثه في صلب ذلك الموضوع الذي يشغله.
- ابعث إلى من تريد إبعاده عنك، اجعلهم يجرونه حتى يقع في الفخ.
ينظرُ إلى الخارجِ من خلال النافذةِ الواسعةِ في الغرفةِ، أمطارٌ متساقطةٌ سريعةٌ محدثةٌ فقاعات كبيرة يحملها التيار بعيداً لتختفي بعد لحظات، يُضاء المكان بالكاملِ ثم تتبعه زوابع رعدية عديدة مفزعة مخيفة، الضوء القسري المبهِر يُضعف عصب البصر, يعودُ من جديدٍ في التحديق في تلك الورقة، فجأة يخفقُ قلبه خوفاً ورعباً، تغيرت ملامحه بعد أن نهض مندهشاً، عيناه قد احمرَّتا وجَحِظَتا، ازداد تصلُّبُ قسماتِ وجهه.
يسأل نفسه:
- من كتب على هذه الورقة؟ كيف حدث ذلك؟.
يدقق في نوعية الخط إنها كتابته بلا شك، أخذت به متاهات الوسواس محاولاً استيعاب ما حدث، تبدأ أسئلة كثيرة باجتياح مخيِّلتيه، تزاحمت في ذهنِه، يقرعُ سمعَه صوتُ ارتطامِ حبَّاتِ المطر الغزيرةِ بالأرضِ، يلتفتُ إلى النافذة، تستدرجُه حالة من الحزنِ الشديدِ، تطلقُ الكلمات عنده جرس الإنذار ليتشكل لديه فائض من الوهم ومضاعفاته، يتحرك شيء قابع تحت أُبطه في القسم الأيمن المظلم من الصدر، يمضي في زحفه شيئاً فشيئاً إلى قلبه محاولاً امتلاكه ثم إلى عقله لإضعاف ذاكرته الإنسانية، كأن أُخطبوط في جوفه، تتغير جميع تصوراته، يفصح عن ابتسامة خفيفة ثم يقهقه بصوتٍ عالٍ، محاولا تبديد قلقه.
يخرج من بيته مسرعاً في بداية ولوج فجر اليوم التالي، لم يجد صعوبة بالمشي كون الرياح الشمالية الغربية السريعة الحركة التي هبت في المساء قد جففت سطح التربة تقريبا، جو ربيعي حيث قطرات الندى المتكاثفة وهي تغطي الأوراق العشبية التي نبتت من على جانبي الممر الترابي الضيق المتعرج المؤدي إلى ضفة النهر القريب من مسكنه، يشعر بتشبع الأجزاء السفلية من ملابسه بالماء وتبلل القدمين نتيجة لتلامسها المتكرر لتلك الأوراق، لم يبالِ لذلك كله كونه على ما يبدو يعاني من تلك المشكلة وهي أكبر بكثير من تلك الجزئيات كلها، يحتار فيها وبكيفية إيجاد حل لها مع عدم تمكنه من استشارة أحد، لكون العديد من الأمور الخاصة لا يمكن البوح بها لتبقى حبيسة النفس مولدة اضطرابات نفسية وقد أثّرت بنتائجها على عدم الامكانية للتعامل بشكل ايجابي أو مناسب مع عموم من يتعامل معهم.
تبدو المشكلة ثقيلة عليه، إذ تبان على ملامح وجهه الذي شاخ بسرعة وبدا بأنه صار أكبر من عمره المفروض بكثير، ذلك الوجه الفاضح المليء بشبكة دقيقة من الأخاديد الموزعة بشكلٍ غير منتظم.
يسير بمحاذاة النهر، يتناغم صوت هدير الماء المتدفق المضطرب عادة في هذا الموسم مع تداعيات مشكلته واضطرابها التي تدور في رأسه وتتحرك معها الأحشاء، يشعر بضيق كبير في التنفس، يحاول تحريك ذراعيه إلى الأمام ومن ثم دفعها إلى الجانبين بشكلٍ متتابعٍ مكونة على شكلِ نصف دائرة، لكن حالته لا زالت كما هي لم تتغير. يتوقف، يشعر بوجود حركة ما على الضفة الثانية من ذلك النهر، يدقق النظر يركز أكثر تبين وجود ملامح لصورة ادمي هناك، ومع الوقت تبين بالفعل رجل يجلس قرب الماء، تدور في ذهنه فكرة التخلص ولو بجزء قليل من هذا الهم الثقيل، فالوقت فجرا والحركة معدومة تقريبا والشخص غريب فما الذي يمنعني من ذلك؟
- كيف لي أن أُحدثك في أمرٍ سَلب مني كل طاقتي؟
- قل ما شئت ولا تبالِ.
- إن كان لديك أُصبع فيه ألم شديد ولا يرتجى شفاءه، فماذا تفعل؟
- أقطعه، يجيبه على الفور.
يسمع الجواب بكل تلك البديهية الذي يتطابق مع أكثر ظنونه توافقاً، يبدأ بالارتياح شيئا فشيئا:
- نعم سأقطعه.
لكنه أخذ يشعر بضرورة مغادرة هذا المكان قبل توجه الفلاحين إلى حقولهم والخوف من شخص ما قد سمع السؤال المبهم والإجابة المختصرة له، يشعر بأن الأغلب كانوا ينصتون خفية عليه، ليبدأ من يدفعه الفضول ويزعجه السر في دواخل النفس ليصغي من خلالها إلى صناديقه المقفلة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟
- قصة قصيرة: وجه لا يشبه أحداً


المزيد.....




- أسعد الأسعد، والمتوكل طه، وسمير شحادة… فرسان الكتيبة الأولى ...
- ليوبيموفا: السيادة الثقافية أساس وحدة شعوب روسيا
- جوقة توريتسكي تحيي حفلا في مستشفى بموسكو ضمن مشروع -بيئة الش ...
- اكتشاف بقايا سفينة بومورية من القرن السابع عشر في أرخانغيلسك ...
- إعلان فيلم رعب يثير ذعر المشاهدين.. -نوبات هلع- في السينما ( ...
- مقتل فنانة محبوبة طعنا يهز بلدة أمريكية هادئة على سواحل كالي ...
- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي
- سعد نعمة يكشف عن مشروع فيلم وثائقي عن مأساة سنجار بكلفة مليو ...
- -الذاكرة-.. مكتبة عائلية تحفظ قرنا من إرث العراقيين الأدبي و ...
- وفاة الفنان محمد الشرشابي أحد أشهر أصوات ديزني العربية


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الجمرة