أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خبزُ العناد














المزيد.....

قصة قصيرة: خبزُ العناد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 00:00
المحور: الادب والفن
    


يداهمه الأرقُ من الجهاتِ كلها، يطوّقه كطوقٍ من شوكٍ لا مفر منه. تدور الهواجسُ في رأسه وأحشائه لا تهدأ، تتجاوز حدود الاحتمال، وتُربك إدراكه، فيبحث وسطَ الخرابِ عن أمنيةٍ يتيمة، عن حلمٍ ضائعٍ يلامس وسادته، حتى وإن كان قطاراً بلا قضبان، أو نهاراً بلا شمس، أو ظلاماً بلا أقمار.
الأجسادُ من حوله منحنية، لا ترفع أنظارها، والسكوتُ يُغلف كلَّ شيء. يراوغ العسس، يستعطفهم ليتغاضوا، فقط ليتسق تدفق أفكاره، لكن الوقتَ يمضي، والعقاربَ تطرقُ ناقوسَ الخطر في ذهنه، فتُسدل الستائرُ على مشهدٍ لا يكتمل، مشهد لم يعش منه سوى الصمت والانطفاء.
يعيد شريط حياته، متوقفا طويلا عند ضوءِ صباه، حيث كانت صورته الشمسية مشرقة، قبل أن يخفت بريقها تحت وطأةِ الأيام. الذكريات هناك، مذابة في الدماء، متغلغلة في المسافات، لم تحطها أمواج الندم، ولم يقف الضمير عندها طويلا.
كانت الأفكارُ حينها متسامية، والمشاعرُ ناعمة كأغصانٍ يانعة، والدروبُ مفتوحةً على الضوء، يطفو داخل عالمٍ بلا حدود، ثم يهبط فجأة على شرفاتِ روحه، يتأمل أنفاسه المختنقة بالشوق، ذلك الحنين البدائي الذي يعلو في الفضاء كصدى لا يُرد.
لم يكن يملك حينها شيئاً محدداً يفعله، سوى أن يُنصتَ لصوتِ والده القديم، ذاك الذي قال له ذات مساء، قبل منتصف الليل:
- يا ولدي كن جسورا، فالحياةُ إن لم تكن على شاكلتك، ستجعلك جسراً تعبره الأقدام، ثم تُترك مهملا في نهاية المطاف.
أجابه حينها، بصوت لا تزال البراءة تبلله:
- أنا رهن الإشارة.... بين يديك.
كلما جنّ الليل، يشعر بحاجةٍ مُلحةٍ لفعلٍ ما، كأن شيئاً ما ينهشه من الداخل. كان صوتُ والده يلاحقه، طيفاً يتسلل إليه في اليقظة والمنام، مردداً تلك الوصية القديمة:
" لا تستكين، فمن يعاني من الألم، عليه ألا يبتعد"
حتى بعد أن تجاوز الأربعين، لا تزال الحقيقةُ تلاحقه، تفاجئه في المنعطفات، وتكشف زيفَ ما آمن به. من هنا بدأت رحلةُ الارتباك، تليها رحلةُ خداعِ الذات، إذ بقي ينتظر حلماً تخلى عنه منذ زمن، حلماً تلاشى وذاب بين حباتِ الرمل.
كان الانتظارُ في بدايته شوقاً، ثم تحول إلى ثقلٍ لا يحتمل، فالشيبُ بدأ يداعب رأسه، وتجاعيدُ وجهه ازدادت عمقاً، مشتعلةً بحرّ تموز. السأم ينهش أيامه، والمللُ يستوطن قلبه، يعيش تحت عنوانٍ لحياةٍ لم يخترها، لكنها ابتلعته، ليصبح الآن جزءاً من عبثها.
ينظر خلفه بندمٍ خافتٍ على الاستقرار الذي مضى، بعدما أصبح تعريفُ الحريةِ عنده أن يكون عبداً لفكرة، لصوت، لظلّ، يقف على أعتابِ خلافاتٍ يفتعلها بنفسه، ثم ينتظر نتائجها وكأنها قدرٌ محتومٌ. أما الوجاهة، فقد آمن أنها قادرةٌ على صنع المعجزات، حتى وإن كانت من دخان.
ببراءةِ الطفولة، وبشهيةٍ مدهشةٍ لتصديقِ الأساطير، حملَ خنجره فجراً، في اللحظةِ التي تنكشف فيها العتمةُ قبل الشروق، وامتطى خيولَ الوهمِ التي زرعها والده في رأسه منذ الصغر. خيولٌ أسرجت على عجل لتقوده نحو بطولةٍ من ورق، نحو حضورِ جسورٍ يخطّ على الغيمِ أساطيرَ العبور.
كان مأخوذاً بفكرةٍ أن يعيد مجدَ الأجداد، لا يهاب الذئبَ ولا السعلاة، ولا تهزه أسماءُ الرجالِ التي كانت تُخيف الصغار. فالخنجر، كما لقنه والده، لا يجب أن يسكت القلب، مهما اشتد النبض، ولا أن يأسره العقلُ، لأن الأخيرَ إن سيطر جعله مطية لا رأي لها ولا وقوف.
كان عليه أن يتفادى زوايا العدم، أن يتشح بالصرامة، أن يكون قاسياً، فالتجبرُ في عرفِ أبيه من سماتِ الرجولة، والحذقُ سبيله إلى قهرِ الألم. لم يكن من أولئك الذين يقدسون الثوابت، فالتاريخ، كما قيل له، لا يُكتب على الرمال، بل على الصخر، وعليه أن يتحصن بالشر، تماما كما أوصى كليب أخاه الزير:
" لا تصالح"
كبر الولدُ، وشاخ معه الأبُ. ففي خريف العمر، وقد أنهكه تعبُ الحكاياتِ ولهاثُ السنين، تغيرت نبرةُ الأب، وراح يناديه بلغةٍ أهدأ، بلغةِ العقلِ المتأخرة:
- كن حمامة سلام يا ولدي، فالعقلُ مطلوبٌ في كل الأحوال.
لكن الوقتَ كان قد فات، والأرقُ عاد يفتك به، والشرُ يتطاير من عينيه، كما لو أنه نارٌ تتغذى على ما تبقى من إحساس. يعلو الصراخُ في داخله، يشتد، ويمسك ما ظنه يوماً مجدّا، فإذا به سراب، وجرأة خبأها طويلا خلف لجام الموروث.
عاد إلى شاهد قبر أبيه، وهو يعلم أنه يقف عند تخوم غيابٍ لم يعُد يملك له مفاتيح التأويل. كان يرى في أبيه رمزاً، مثالا، ولكنه الآن لا يرى سوى تراب يغلف عظاماً نخرة. لم يجنِ من شعاراته سوى الهواء، ولم يقتطف إلا الوهم، عندها فقط، رفع رأسه وهمس:
- لقد أطعمتني خبزُ العناد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: من تكون؟


المزيد.....




- من -التخبط- إلى النضج الفني.. هكذا مشى المخرج كريم الشناوي خ ...
- مزيد من دور السينما تسعى للحصول على تراخيص لتقديم المشروبات ...
- الجمهور الياباني يحتفي بنجوم الباليه الروس في يوكوهاما
- مهرجان فينيسيا يكشف أفلام دورته الـ83.. وروبرت ميردوخ في فيل ...
- التخشبوش: رواية تاريخية من العصر المملوكي
- تركي آل الشيخ ينتشل نادر نور من -النسيان- بأغنية في ألبوم عم ...
- ماجدة الرومي تفتتح حفلات مهرجان جرش على المسرح الجنوبي
- إقبال قياسي ومعارض جديدة.. المتحف الروسي للفنون الزخرفية يحت ...
- فنان مصري يفاجئ ياسر جلال بنومه في الشارع.. وتحرك لإنقاذه
- قانون جديد للفنانين في مصر يوصف بـ-التاريخي-


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خبزُ العناد