أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الصدفة














المزيد.....

قصة قصيرة: الصدفة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 00:43
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يفكر كثيراً في معنى الاستقامة؛ فقد كانت بالنسبة له عادة يومية، أشبه بارتداء ثيابه نفسها كل يوم دون تكلف. لم يتخيل طرقاً أخرى للسير في الحياة، يعمل، يتفاعل، يعود إلى بيته الصغير، ويتجنب كل ما يختلط فيه الرزق الحلال بالشبهات. كان الثناء عبئاً لا يعرف أين يضعه، لذلك كان يكتفي بابتسامة خجولة قبل أن يخفض رأسه تواضعاً أو ربما حرجاً.
ومع الأيام أدرك أن لا شيء أصعب من مزاولة الحياة نفسها، هكذا بدأ يكتشف، لم تكن قلة جرأة التي تجعل من الباب الموصد يبدو كنافذة قابلة للكسر، ولم يكن يؤمن بأن الفرصة لا تعود مرتين في دروب الاستقامة، حتى وإن كانت القوانين في معظم الأحيان تتراخى بحكم العلاقات وتأثيرها، لكن تبقى نظرات الناس إليه حاضرة، تراقبه وتعيد صياغة صورته كلما شاءت، وما ترسخت في ذاكرتهم مع السنين، وكانت عبارة واحدة تصطدم بذاكرته كلما التقى أحدهم:
- أنت رجل نشأ على طريق الصلاح.
في تلك الليلة، نام على وضوح الذاكرة، لكنه استيقظ على ضجيج داخلي لم يعرف له سبباً. الذكريات لم تفارقه، رغم أنها باتت بعيدة في الزمن، إذ كان كل شيء بسيطاً يومها، دوام متكرر لإنجاز أعمال متراكمة، الممرات فيها حركة الموظفين والمراجعين، وخيوط شمس تتسلل من بين ثقوب الستارة فتعكر عليه رؤية شاشة الحاسوب بدقة. لم يكن هناك ما يلفت النظر، سوى تلك الإضبارة التي تحتاج إلى التدقيق بشكل مكثف، لكنه كان يعرف تماماً ما يمكن أن يُمارس عليها من تلاعب.
وفي لحظة خاطفة، مر في مخيلته شريط طويل لما قد يحدث إن تجاوز حدوده، وكيف يمكن أن يصبح بلمسة واحدة كأصحاب المال والجاه والنفوذ. مد يده نحو الإضبارة، ثم أعادها سريعاً، وظل يهمس بصوت خافت يختلط فيه الخوف بالحقيقة:
- كيف لي أن أهدم الهيئة التي صنعتها لنفسي؟
لكن الصدفة أحياناً تلعب دوراً في تغيير التوجهات، فحين بدأت نفسه تغريه، بتجاوز قالب الصلابة والتعامل بالشكل العصري كي يزداد نفوذا ورقي، رن هاتفه النقال. كان على الطرف الآخر رجل عرفه من سنوات، أخذ يمتدح صفاته، يذكره بما رآه الناس فيه من نزاهة وثبات، وكأن الكلمات جاءت في وقتها تماماً، لتعيده إلى مساره. كانت الإضبارة شاخصة أمامه، كأنها امتحان مكتوب باسمه:
- حتى التفكير لم يكن وارداً.
مرت السنوات، وذابت الحادثة في ذاكرته مثل ظل عابر. بقى كما هو: بيت صغير بالكاد يتسع لأسرته، راتب محدود، وحياة بسيطة لا تطمح للكثير. لكنه حمل معه صفة الاستقامة أينما حل، صفة كان يشعر أحياناً أن حجمها أكبر منه، وكأنه مدين لشيء لم يصنعه هو ، بل صنعته الظروف التي وقفت بجانبه دون أن يسألها.
في تلك الليلة، يجلس لوحده، والريح تضرب نافذته كأنها تذكره بكل ما كان يمكن أن يكون لو عاد به الزمن من جديد، ليجد نفسه كما يتخيل جالساً في مكتب فخم، تحيط به علاقات ممتدة، جاه وسلطة ومال يتدفق بلا حساب ووفرة لا تنتهي. يشاهد تلك النظرة الإعجابية في عيون الناس، تلك التي يحلم بها كل ضعيف لحظة سقوط. لذا رق قلبه، وزادت دقاته، وكأنه بدأ يستحسن ذلك الخيال. لكن وكأن شيئا ما في داخله كأنه يقول له بهيئة ومضة تحذيرية واضحة:
- الصدفة جعلت منك مستقيم.
صمت بكآبة طويلة، وتمنى لو يقع في فخ النسيان، ووقف أمام المرآة التي ما زالت معلقة قرب الباب منذ ثلاثين عاماً. كان يعرف أنها لا تعكس ما في داخله، فهي لا تُظهر إلا ما سمحت به الأيام من شكل خارجي، موقناً من ذلك. لكنه رأى لأول مرة ربما ملامحه تتغير أمامه، تتبدل هيئته ثم تستقر على حقيقة واحدة: أن ما منعه من الانزلاق لم يكن قوة داخلية صافية، بل تلك الصدف التي توافقت معه دون أن يسألها.
وعندما ابتعد قليلاً عن المرآة، شعر كأن صورته الحقيقية تتبعه لا لتؤكد نزاهته، بل لتذكره بأنه كان قاب قوسين من التحول، وأن خطوة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تغير مساره كله. عندها أدرك أن الاستقامة ليست فضيلة خالصة، ولا سقطة مؤجلة، بل مساحة ضيقة بين ما نريد أن نكونه وما سمحت به لحظة عابرة أن نبقي عليه.
تنفس ببطء، وأطفأ الضوء، كأنه يطفئ احتمالاً ظل ينتظره في زاوية ما. ثم قال لنفسه:
- أنا فقط من صانته الصدفة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...


المزيد.....




- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
- نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن ...
- -لمواجهة التدمير الإسرائيلي-.. اليونسكو تدرج آثار صور وجبل ع ...
- -تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف ...
- رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر ...
- مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر ...
- مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الصدفة