أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)














المزيد.....

قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 02:43
المحور: الادب والفن
    


بعد ساعتين من الانتظارِ تحت ضوءِ القمر الذي وصل قرصه إلى المكانِ الذي لابد أن تبتلعه الأرض كما كان يظن ولا يزال, تحرك الجميعُ تحت قبةِ الليلِ المفعمةِ بالنجوم, كي يتجاوزوا محدداتِ الجغرافية بالنسبة للشابِ سالم, وقد بدا له الوقت كأنه يتمدد بشكلٍ لا نهائي, فركوبُ الحصانِ يعد من اللحظاتِ الاستثنائيةِ لدى الشيخ, فهي ليست مجردُ وسيلةً لنقل للجسد, بل هي تجسيد لمكانته الاجتماعية بذات الهيبةِ وتواصل إرثه العريق, لذا فالصمتُ أخذ يلفُ المكانَ والقريةَ بالكاملِ التي تحتضنه في ما بين ثناياها, كأنها تتهيب من موقفٍ جلل, وداعٌ يبعث الحزنَ في النفوس, وكأن الزمنَ بدأ يشارك كذلك في لحظاتِ ذلك الوداع.
أخذت ساعةُ الشيخِ خزعل تعكسُ ضوءَ المشعلِ بحسب حركة ذراعه المتأنية, الطريقُ ترابيٌ يأخذ مسارا غير مستقيم, من على جهتيه بقايا لقشٍ لم يُجمع لحد الآن, لأجل تلك الرحلةِ يقطع الأربعةُ ذلك الطريق, يحمل أحدُهم المشعلَ من على جهة اليمين, والآخرُ يحملُ الهراوةَ على جهة اليسار, وفي المؤخرةِ ثالثٌ يرقبُ المنطقةَ ويحمل السلاحَ الخفيف, أما هو, فكان في المقدمة على مسافة من مكان مسير الحصان, يوشوش بصوته الجهوري كي تهرب الطيورُ كثيرة اللغط من مخابئها الليلية قبل أن يصلها الحصان وينفر منها, وربما سيسقط الشيخ, ينظر بين فترة وأخرى إلى الخلف بحركاتٍ متكررةٍ أشبه بالغياب عن الوعي, في طريق يبحث فيه عن أملٍ يتخالطُ ما بين الظلمةِ والنور, في صحراءٍ متراميةٍ الأطراف, بعدما بدأت تختفي شيئا فشيئا تلك الأشباحُ التي كان يظنها تنهض من على جانبي الطريق, وخفّت حركةُ أصابعه المرتعشة.
صافرةُ القاطرة الأولى ربما بدأت صوتها يتناهى وهو يخترق القرى من جهةِ الشمال, والليلُ يوشك أن ينتصف, لذا بدأ يدرك الشابُ سالم أنّ الرحلةَ لم تكن للشيخِ خزعل لوحده أو الوصول إلى المحطة, بل كانت ربما عن رحلته الخاصة للبحث عن نفسه في هيامِ الروح, عن ذاته المتقوقعة, واقتلاعُ منابعِ الخوف المتجذرة في دواخله, فابتسم للحظةٍ عابرة, يتخايل وقعَ الكلماتِ في نفسه والتي سيرددها الشيخ, فتحاكي صمته الحائر, وتغمره نشوةُ الفرحِ لتصل إلى حدِ العصب, قبل أن ترتسم على ملامحِ وجههِ حالةٌ من الوجوم بعدما باغته الشجن, وبعدما اقتربوا من المحطة, إذ بدأ يشعر كأنما دخل في دوامة من سراب, نقيضا للامبالاة التي كان يظهرها في سابق الأيام, فبعد قليل سيسافر الشيخُ بعيدا إلى مكانٍ لم يسمع الشابُ سالم عنه من قبل وسيترك الحصانَ لديهم, ولم يترك له صدى لكلمةٍ أو نظرةٍ تعيد له شيئا من أملٍ ينتزع نزعات القلق من دواخله, فهو يخشى من مستقبله, ومن تحايل على نفسه جاهدا في حاضرٍ ضبابي, ويخشى أكثر من أن يتكرر في ماضيه, فيكلفه قرارُ الاستمرارِ في معاكسةِ الذات والالتصاقِ بذات الهوية, لذا أخرج صوتا خافتا لوداعٍ أشعره بصعوبةِ توالي أنفاسه, يشوبه الحزن والانكسار.
يمر الوقتُ ببطءٍ قاتل, وصمتٍ حافلٍ بالمعاني, كلُ لحظةٍ كأنها تحفر نفقا في روحه ما بين الشكِ والخوف, فالانتظارُ لم يكن للقطار الذي سيصل ويغادر حتما في ليلةٍ مجنونة, إنما هو انتظارٌ لجوابٍ صامتٍ بحركةٍ أو إشارةٍ من الشيخِ المغادرِ كي تخفف عنه ثقل وجوده الواضح في ظل تفاوت الاعتبارات, وتغتال ألمه, إلا أنَّ اللاجدوى كأنها تتوالد تيه بعد تيه, وتترك له سيل التساؤلات, فأكتفى الشيخُ خزعل بابتسامةٍ خفيفةٍ وهو يصافحه بقوة, فأخذت تسري في جسده رعشات خفيفة, وعيناه استجابت لفرط الدموع.
تمضي الساعات وهو يحدق أمامه بعدما سافر الشيخ, ولا يزال بصره معلق بتلك الأنوارِ الكاشفةِ للمحطةِ بعدما أعلنت مغادرة القطار, وبقدر ما يحتفظ به من مشاعر اتجاهه, وبأسارير وجه اعتلاه الجمود, فالقلبُ والعقلُ سافرا في إحدى القاطرات التي أخذ يتخيلها بجانب الشيخ خزعل, لا يفصله عنه سوى الباكورة المذهبة القبضة التي يمسكها بيده بذات الثبات, من دون أن يخرج من صمته رغم محاولة أقرانه الذين غادروا المكان بعد منتصف الليلة, فلم ينتبه إلى هدوء المكان وابتعاد صوت صهيل الحصان, بوجوم تام, فلا تزال جلجلةُ أضحوكة الشيخ تتردد على مسامعه, تملأ المكان, إلا أنَّ صورا بدأت تتشكل ما بين الوعي واللاوعي, ما بين الانتباه والشرود, تتبدل, فلقد ظهرت المقاعدُ القريبةُ منه خالية تماما, إلا من ظلٍ مبهمٍ بحدودٍ ضبابيةٍ على مسافة منه في نهاية القاعة, ربما هو حارسُ المحطةِ الذي سئم من انتظار ذلك الشاب شارد الذهن, وبعدما أصبح لتلك الصورِ حدوداً واضحةَ المعالم, وأدرك مكان جلوسه, فلم تعد تدخل في مخيلته خطةٌ لجرجرةِ الليلِ الطويلِ إلا حينما شعر بتيبس عظامه من كثرةِ الجلوس, ولم تبقَ سوى نجمة باهتة تتدلى في قبة السماء, ولم يفقد الزمان القديم مغالبته, وأذعن بقدره الذي لا يزال يجرجره نحو الغموض, لذا أخذ يتساءل بلا صوت, أين سيجد لسانا بعده يعرف مكامن الحقيقة, ومن سيقاضي شبحَ الضياع, بعدما غادر الشيخ المعروف بحكمته ورجاحة عقله, ولم يتمكن من العودة إلى القرية إلا بعدما بدأت الديكةُ تصيح نداءَ الفجرِ الجديد, فتداخلت الرغباتُ المكبوتةُ في تشكلٍ ذهنيٍ مع عواطفه الجياشة, بهيئةٍ أقرب إلى حلم, فيجد نفسه يسير من دون وعي مكبل الروح, وكأنما بدأت تتلاشى الآهاتُ المكتومةُ من عالمٍ منزوع الهموم, ورياحٌ هبت تحمل عبير الماضي القريب تعيد له خيط من أملٍ بعيد, فلربما سيعود الشيخ قبل أن تتذوق ذاكرته فاكهةَ النسيان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...


المزيد.....




- -تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف ...
- رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر ...
- مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر ...
- مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة
- أبرز أفلام الخيال العلمي في 2026.. لماذا عاد المستقبل لقيادة ...
- أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
- نصف قرن من -البث المباشر من عمّان-.. حين يصبح برنامج إذاعي ص ...
- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي (صور)
- -بروكوفييف 135-.. عرض موسيقي مبتكر في ذكرى المؤلف الكبير
- لوحات فنية بقيمة مليار روبل تُطرح في مزاد علني بموسكو


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)