أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: كتلة الطين















المزيد.....

قصة قصيرة: كتلة الطين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 13:12
المحور: الادب والفن
    


في تلك البقعة المنسية من العالم، حيث يخلق الطين بيوتاً وذاكرات، كانت الأسئلة تُولد قبل الأطفال، وتموت بعدهم بزمنٍ طويل. هناك، حيث تختلط حدود البراءة بالوعي، تبقى بعض الحوادث عالقة في حنايا الروح ككتلة طين يابسة، لا تزول بمرور السنين، بل تتصلب مع كل محاولة لفهمها.
لم تكتف التحقيقات معه وهو في عمر الطفولة، إذ لم يتجاوز العشر سنوات، فما زال يُسأل ويجيب، على حادثة لا تتجاوز عبثية بينه وبين طفل جيرانه، حيث كان يضرب إليه بكتلة صغيرة من الطين اليابس ثم يرد ذلك الولد إليه تلك الكتلة من مسافة حيث لا يمكن أن تصيب المقابل. ظل يشرح هذه الحادثة، لكن الأسئلة كانت أعمق، هو لا يعي ما كان يدور، حيث أنه أثناء تلك اللعبة التي لا تؤثر على أحد، وإذا ببنت الجيران أخت ذلك الولد تظهر من خلف الجدار الطيني، وهي تصرخ:
- أبي جاءك.
نظر الولد وإذا بكتلة سوداء تهرول اتجاهه، لم يفهم ما يدور، لكن خوف الطفولة غلب على كل تصور. ركض اتجاه بيتهم الطيني المجاور، وإذا بوالدهما يدخل باحة الحوش وهو يزمجر:
- أين يذهب؟
لم تعد الأرض تسعه، فما كان منه إلا أن يدخل الغرفة الطينية التي ينامون فيها وفيها كذلك الطباخ النفطي، فاغلق عليه الباب. الباب لم يكن سوى صفائح عمودية من الخشب، متلاصقة مع بعضها، بحيث يظهر فراغ قليل يسمح بدخول الضوء من خلال تلك الفراغات.
بدأ الطرق، وبدأت دقات قلبه تتزايد مع كل طرقة، كان يريد أن يحطم الباب، والولد متشبت بذلك الأمل الواهن بأن يحميه ذلك الباب الخشبي الذي أخذ يتحرك من مكانه. ومع تزايد الضربات على ذلك الباب، أخذ يسمع بكاء والدته وهي تستغيث بذلك الرجل أن يترك ولدها، وتذكره بحرمة الدار. ربما كان قد سمعها، لأن الضربات قد توقفت، وبدأ الهدوء يعم المكان عدا بكاء والدته الذي تحول إلى نحيب، ثم أخذت تقول له:
- افتح الباب.
والولد خائف يردد:
- لا لا سيقتلني.
تقول له:
- الرجل غادر.
لكن الخوف كان أكثر، لكنه مع إلحاح والدته، اقتنع أخيرا بفتح الباب، ودخلت والدته وهي تحاول تهدئته، إلا أن الخوف كان كبيرا، رغم أنه لا يعرف ماذا جرى.
جاءت الجدة تهرول، عجوز نحيلة كغصن زيتون، تجر خطواتها على التراب، وقد علق العجين في يديها من شدة السرعة. دخلت وضمته إلى صدرها الذي يئن من العمر، وقالت بصوت تتصدع فيه الحروف من بين أضراس نادرة:
- لا تخف يا ولدي، الجدران الطينية تحفظ الأسرار.
ثم نظرت إلى والدته بحزن عميق، وكأنها تعرف ما لا يعرفه الطفل، ما لا يفهمه بعد.
وصل عمه عندما سمع، وأخذ يسأله والولد يجيب كما كان الحادث، غضب العم من تصرف ذلك الرجل، وذهب متواعداً بأنه سيجلسه على الحق، فالبيت له حرمات، وهو قد تجاوز كل تلك الحدود.
في الليل عاد العم منكسراً، جلس بقرب الطباخ النفطي والأنظار متوجهة صوبه، يضع سبابته على ذقنه، والأسئلة تدور في ذهنه، بدأ يسأل ويكرر، والولد يجيب بذات البراءة، فما كان من العم إلا أن يقول:
- لقد اتهمك بانتهاك شرف ابنته.
نظر الطفل إليه بعينين واسعتين، فضم سبابته بين أسنانه الصغيرة، ثم سأل بصوتٍ يرتجف كلهب الطباخ النفطي:
- عمي... ما معنى الشرف؟
لم يجب العم، بل غادر بذات الانكسار. جرَّ خطواته الثقيلة، منكسراً كغصن أثل، خرج إلى باحة الحوش تحت سماءٍ ترصع بالنجوم التي لا تبالي بصراعات البشر. وقف هناك طويلاً، يتأمل تلك الكتلة الطينية الصغيرة التي كانت ما تزال مرمية هناك، ثم عاد وهمس لأمه والجدة بكلماتٍ لم يسمعها الطفل.
نظر العم إلى الطفل عند عودته نظرةً طويلة، كأنه يرى فيه ما لا يراه الآخرون، ثم تنهد تنهيدة ثقيلة كجذع نخلة تسقط تحت وطأة الثمر، وأعاد سؤاله بصوت متردد:
- يا ولدي، قل لي مجدداً... كم مرة رميتَ الطين على ابن جيراننا؟
فأجابه الطفل ببراءة حائرة:
- مرتين، عمي، مرة رميتُه فضحك، ومرة رميتُه فأمسكها وضربني بها على كتفي.
سأله العم ثانية:
- وماذا قالت بنت الجيران حين ظهرت؟ بالضبط، كلمةً كلمةً، تذكر.
فتحدق الطفل في وهج النار النفطية وقال:
- قالت: أبي جاءك. وركضت وهي تلهث.
أعاد العم تشكيل الكلمة بسبابته على أثر نافذة الباب المترب، وقال:
- هكذا... هكذا... إذن هي قالت جاءك وليس جاءكم؟
فالتفت الطفل إليه بجهل:
- لا أعرف، عمي، كنت خائفاً، هربت.
هنا التفتت الجدة نحوهما، وأسندت ظهرها على الجدار الطيني، وعيناها الضئيلتان تطلان من بين تجاعيد الوجه كنجمتين في ليلٍ عجوز، فقالت بصوتٍ خفيض:
- يا ولدي، في حياتنا هذه، الكلمات كالطين، بيدٍ طيبةٍ يمكن بناء بيتٍ، وبيدٍ شريرةٍ يمكن قتل إنسان. ماذا قال لك الرجل حين هددته أمك بحرمة الدار؟
أجاب الطفل:
- سمعته يزمجر فقط، لكن... لكنّي سمعته يقول لوالدتي شيئاً لم أفهمه: ابنتي عمرها اثنا عشر... وانتهكت... ثم ضرب الباب بقوة.
صمت العم، وعيناه تحدقان في سقف الغرفة الطيني الذي يتساقط منه غبار الزمن، ثم نهض فجأة وضرب بكفه على فخذه، وقال:
- هذا الرجل... هذا الرجل... يا إلهي، لقد اتهمك بانتهاك شرف ابنته.
ساد الصمت الغرفة. نظر الطفل إلى عمه بتوسل، ثم سأل من جديد:
- عمي... اريد أن اعرف معنى الشرف؟ فأدار العم ظهره ولم يرد.
في الصباح الباكر، خرج الطفل إلى الدرب الترابي، فرأى ابن الجيران يلعب بالقرب من تل الطين. نظر إليه، فبادره الولد الآخر بابتسامةٍ غامضة، ثم قال له:
- أبي قال لي أن أختي أخبرته أنك ركضت خلفها.
فانتفض الطفل مذهولاً:
- أنا؟ ما ركضت خلفها، أنا جريت خائفاً من أبيك.
فنظر إليه ابن الجيران بحيرة:
- لكنها قالت كذا، أمي قالت لي لا تقترب منه مرة تانية.
دخل الطفل إلى الدار، ووجد والدته تبكي وهي تخبز خبزاً على الصاج، والدموع تتساقط في العجين. اقترب منها، ومدّ يده ليمسح دمعتها، فنظر إليها بحسرة:
- أمي... ما الذي جرى؟
حاولت الأم أن تتماسك وقالت:
- لا شيء يا بني، اذهب العب.
لكنه أصر:
- لا، لا أريد أن ألعب، أريد أن أفهم، ماذا جرى؟
فصرخت الأم فجأة، وضربت العجين بقبضتها بقوة:
- أنت لم تعمل شيء، أنت طفل لا تفهم... لكن الكلمات... الكلمات يا بني كالسهام، تُطلق ولا تعود.
جاءت الجدة وقادته بعيداً، وأجلسته إلى جوار الطباخ النفطي، وأخذت تحكي له عن طين الأرض الذي يصبح جدراناً، وعن ماء السماء الذي يغسل الأدران، وعن أن البراءة كالنافذة التي يمر الضوء منها ولا يدخل التراب إلا إذا كسر أحدهم الزجاج. نظرت إليه بعينين حزينتين وقالت:
- اسمعني يا ولدي، أنت طفل، وكلمات الرجال الكبار كالنار التي تحرق الطين فيصنع الآجر، لكنها تحرق الأصابع أيضاً.
ومضت السنوات، ونما الولد، وكبرت كتلة الطين في ذاكرته حتى صارت جبلاً. في كل مرة يمر فيها بقرب بيت جيرانه، كان يرى البنت التي كبرت بدورها، وكل منهما ينظر إلى الآخر من خلف جدار الطين كأشباح لعبتهما القديمة. لم يلتقيا أبداً، ولم يتبادلا كلمةً بعد ذلك، وكأن كلمة شرف التي لم يفهمها حينها، كانت حجاباً كثيفاً ما بين طفولتين كان ينبغي لهما أن تكبرا معاً. أما العم، فظل سنواتٍ يضع سبابته على ذقنه كلما مرّت الذكرى، لم يعد يسأل، بل صار هو الذي يُسأل. وحين يُسأل ما معنى الشرف؟ كان يردد:
- الشرف أن تعرف متى تسأل، ومتى تصمت، ومتى تترك كتلة الطين مكانها، فلا ترميها ولا تردها.
ومنذ ذلك اليوم، صار الولد يروي الحكاية بابتسامة حزينة، ولم يعد يسأل عن معنى الشرف، بل صار يجيب:
- الشرف أن تظل طفلاً، متى ما تذكرت كتلة الطين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الثاني)


المزيد.....




- لاتفيا تقرّ حظر بث بعض أغاني المؤلف الموسيقي اللاتفي رايموند ...
- برلماني أوروبي ينتقد دور المفوضية الأوروبية في الثقافة بعد س ...
- حسام جنيد يعتذر للشعب السوري: -غلطت.. والاعتراف بالذنب فضيلة ...
- من معرة صيدنايا إلى قرية السودا.. -خارج التغطية- ينسج حكاية ...
- الموسيقى العراقية تودع -فاروق هلال- بعد مسيرة فنية حافلة
- لوحة تذكارية للنحات الروسي ستيبان إرزيا في الأرجنتين تكريما ...
- المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ ...
- الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
- مصطفى الخاني يجتمع برونالدو ولويس فيغو خلال افتتاح -متحف الأ ...
- من -التخبط- إلى النضج الفني.. هكذا مشى المخرج كريم الشناوي خ ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: كتلة الطين