أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 00:21
المحور: الادب والفن
    


تتعاقبُ السنين، وتتداخلُ الصور والخيالات كأغصانٍ تائهةٍ لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي، في تلك القرية الممتدة كحكايةٍ قديمةٍ أرهقها الزمن. بيوتٌ شُيّدت بأشكالٍ متنافرة، تتشابه مع وجوه ساكنيها في اختلاف الملامح وتباين المصائر، ومحلاتٌ متناثرة على امتداد البصر، فيما كانت العجلات العابرة تترك وراءها ضجيجاً يشبه صخب الحياة نفسها.
هناك، كانت الطفولة تستيقظ كل صباح من حلمٍ تلده الليالي وتجهضه الصباحات. طفلةٌ في الخامسة من عمرها تُدعى جميلة، تملك من البراءة ما يجعلها أشبه بفراشةٍ خُلقت في غير موسمها. كانت ترى العالم أرقاماً وأسماءً تتبدل باستمرار، وكأن الحياة لا تمنح الأشياء فرصة الثبات.
عاشت جميلة وسط أسرةٍ كبيرة، لكن اتساع البيت لم يكن يعني اتساع الأرواح. خلف الجدران أنفاسٌ مكتومة، وصمتٌ ثقيلٌ يشبه المقابر. كانت تقضي معظم وقتها وحيدة، كطائرٍ صغير يراقص ظلّه في فضاءٍ ضيق، بعد أن تكمّمت الأفواه وكُبّلت الأيدي.
همست لأمها ذات مساء:
- لماذا يبدو بيتنا كأنه يخشى الفرح؟ لماذا تُدفن الراحة فيه كما تُدفن الخطايا؟
تنهدت الأم، وفي عينيها تعب أعوام طويلة:
- هكذا هي الحياة يا ابنتي… اعتدناها حتى صارت جزءاً منا.
كبرت جميلة، وكبرت معها الأسئلة.
كانت المدرسة نافذتها الوحيدة نحو العالم، لكنها حتى هناك كانت تشعر بثقلٍ غامض. كرهت الرصيف الطويل الممتد أمام المدرسة، وكرهت بائع الحلوى الذي ينتظر الأطفال كل ظهيرة، لأنها كانت تشعر أن طفولتها وحدها لم تكن تملك حق الركض والضحك مثل الآخرين.
مرت السنوات سريعاً، وكأن الزمن يركض في المكان ذاته. عبرت جميلة من الطفولة إلى الصبا وهي تحمل في داخلها ارتباكاً خفياً. وقفت كثيراً أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي بدأت تنضج، وتؤمن بأن الجمال يشبه قوةً خفية قادرة على إيقاظ المشاعر النائمة. كانت تفتخر بأنوثتها كما لو أنها سراجٌ ينير عتمتها الداخلية، لكنها أدركت لاحقاً أن الضوء قد يحرق صاحبه أحياناً.
وفي كل مرةٍ كانت تسرح في تأملاتها، كانت صورة أمها تقطع عليها الطريق. دموعٌ تنحدر بصمت، تاركةً خطوطاً سوداء تحت العينين، كأن الحزن قد تحول إلى كحلٍ دائم، أو ليلٍ يأبى الرحيل.
عرفت جميلة منذ طفولتها أن الطاعة قانونٌ مقدس، وأن الاعتراض مجرد ثرثرة لا قيمة لها. لكن شيئاً في داخلها كان يتمرد بصمت. كانت الهوة تتسع بين رغبتها في أن تكون ابنةً مطيعة، وحاجتها لأن تكون امرأةً حرة.
كان الأب يتعامل مع كل شيء بقسوةٍ صارمة، حتى ظلال ابنته لم تكن تنجو من زجره. وكانت الأم هي المتلقي الأبدي لكل ذلك العنف الصامت. أما جميلة، فكانت تقف في المنتصف، تحاول عبثاً إصلاح ما لا يمكن إصلاحه.
وذات يوم، طُرق باب البيت.
وقفت خلف الستارة تسترق السمع. كانوا قد جاؤوا لخطبتها.
شعرت كأن شيئاً ينكسر في أعماقها.
- لن أوافق… ما زلت أرتدي ثوب الطفولة، وما زالت أحلامي تركض حافيةً في داخلي. لماذا يريدون اقتلاعي قبل أن أنضج؟ لماذا يزرعونني حيث يشاؤون ثم يقطفونني قبل أواني؟
لكن صوتها لم يكن يُسمع.
لقد أقنعوها منذ الصغر أن الأنوثة تعني الخضوع، وأن المرأة خُلقت لتقبل لا لتختار.
قطع بكاء أمها خيوط أفكارها، ثم جاء صوت والدها حاداً كالمطارق:
- يجب أن تكوني كما نريد.
في تلك اللحظة شعرت بأنها تقف في منتصف طريقٍ طويل، بين الموافقة والرفض، بين الرغبة في الهرب والاستسلام للقدر. كانت تحتاج فقط إلى كتفٍ تبكي عليه، إلى شخصٍ يمسح عنها خوفها القديم، لكن كل شيء حولها كان بارداً وصلباً.
تزوجت أخيراً، كما أراد الجميع.
دخلت حياةً جديدة وهي تحاول إقناع نفسها بأنها مختلفة عن أمها، وأن مصيرها لن يكون نسخةً أخرى من الحزن ذاته.
في البداية، بدا الزوج وقوراً وهادئاً، يهتم بها ويمنحها شيئاً من الطمأنينة. وحين حملت بطفلها الأول، شعرت للحظة أن الحياة ربما تفتح لها نافذة نجاة. قالت لأمها ذات يوم:
- أنا بخير يا أمي… حياتي مختلفة.
ابتسمت الأم ابتسامة باهتة وقالت:
- يا ابنتي… هذه مجرد البداية.
ومع مرور السنوات، تلاشى البريق الأول.
أنجبت طفلاً ثم آخر، وبدأ الشك يتسلل إلى البيت مثل دخانٍ خفي. اختفت الكلمات الدافئة، وصار الصمت أطول من الأحاديث. كان زوجها يغادر كثيراً، ينشغل عنها، ويعود بوجهٍ لا يشبه الرجل الذي عرفته في البداية.
سألته ذات ليلة:
- ما الذي تغير؟
لكنه اكتفى بالنظر إليها بصمت ثم مضى.
حينها، بدأت تخاطب نفسها كأنها تخاطب شخصاً غريباً يسكن أعماقها:
- أيها الحزن المختبئ بين الضلوع… لماذا تكبر كل يوم؟ لماذا أشعر أنني أتحول ببطء إلى صورةٍ أخرى من أمي؟
كانت تحاول ترميم قلبها كما تُرمم الجدران المتشققة؛ تخفي الندوب، وتطمر الذكريات المؤلمة في دهاليز الروح، لكنها كانت تعرف أن بعض الكسور لا تُشفى.
شيئاً فشيئاً، انطفأت الأشياء من حولها.
لم يعد طائر الكناري يغرد على الشرفة، ولا أزهار اللافندر تفوح بعطرها، وحتى ضوء الغرفة بدا شاحباً كأن الحياة انسحبت منه. شعرت أنها أصبحت شفافةً إلى حد أن كل شيء يخترقها: الوقت، الخيبة، والكحل الأسود الذي استقر في عينيها منذ زمن.
وفي ليالٍ طويلة، كانت تبكي بصمت فوق وسادتها، ثم تبتسم في الصباح كي لا يفضحها أحد.
كانت تعرف أن الدموع ليست ضعفاً، بل محاولة يائسة لطرد الألم من الداخل. لكنها كانت تحتار دائماً: لماذا لا تأتي الدموع في لحظات الفرح إلا نادراً، بينما تهطل بغزارة حين يفيض الحزن؟
ومع كل ذلك، بقي شيء صغير يقاوم داخلها. شيء يشبه ومضة ضوء بعيدة، أو بقايا طفولة لم تمت تماماً. وحين أنجبت بناتها، شعرت بالخوف للمرة الأولى. خافت أن يرثن عنها هذا الحزن القديم، أن تستقر في أعينهن تلك الهالات السوداء نفسها، كأن الشقاء إرثٌ يُنقل من جيلٍ إلى آخر.
لكنها، رغم كل ما عانته، همست ذات ليلة وهي تنظر إلى وجوههن النائمة:
- لن أسمح أن تُكحل عيونكن بالحزن كما كُحّلت عيناي… سأحاول، ولو بقدر شمعةٍ صغيرة، أن أمنع هذا السواد من أن يصبح قدراً جديداً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة


المزيد.....




- شاهد.. 25 دقيقة من التصفيق الحار لفيلم عن غزة في مهرجان البن ...
- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...
- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى