أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ضفتان من الفقد














المزيد.....

قصة قصيرة: ضفتان من الفقد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يعلم أن اختياره امرأة من أرض بعيدة سيكون القرار الوحيد الذي أنقذ مستقبله من دائرةٍ ضاقت عليه قبل أن يعرف معنى الاختيار. لم يكن الأمر رغبةً في الرحيل، ولا نزوعاً إلى الغريب، بل كانت الضرورة هي التي قادته إلى ذلك الطريق.
فمنذ اللحظة الأولى التي أبصر فيها النور، استقبلته الحياة بثمنٍ باهظ؛ إذ أغمضت أمه عينيها إلى الأبد وهي تهبه أول أنفاسه. صار رضيعاً بلا صدرٍ يضمه، ولا حليبٍ يسند ضعفه. وفي زمنٍ لم تكن فيه بدائل ترضع الأطفال، تناوبت نساء القرية على إرضاعه، كلٌّ بحسب ما تملك من لبن، أو بحسب ما تُخفيه النيات في الصدور.
ومضت الأعوام، حتى صار شاباً، ليكتشف أن أبواب القرية كلها قد أُغلقت في وجهه. قيل له إن أغلب نسائها قد أرضعنه، فأصبحت بناتهن أخواتٍ له من الرضاعة، لا يحل له الاقتران بإحداهن. بل إن بعض النساء، ممن لم يرضعنه قط، ادعين ذلك أيضاً، خشية أن يفكر في خطبة بناتهن. وكأن اليتم لا يكتفي بأن يسلب الطفل دفء أمه، بل يظل يطارده حتى وهو رجل، فيحاصره بالظنون، ويجعله مادةً للتندر أو الشفقة، وكلاهما يجرح الكرامة.
ومع ذلك، لم يكن هذا الشاب سهل الانكسار. كان صلب الملامح، إذا غضب ارتسمت على وجهه هيبةٌ تردع قبل أن تتكلم. لا يخشى أحداً حين تدلهم الخطوب، ولا يعرف للمجاملة طريقاً إذا تعارضت مع الحق. كان صادقاً إلى الحد الذي جعل البعض يهابه أكثر مما يحبه.
وحين ضاقت به الأرض، اتجه إلى قرية بعيدة، حيث لا تمتد إليه وشائج الرضاعة، فخطب فتاةً من هناك، وتزوجها على قدر ما يملك من رزق وقناعة. شعر يومها أن القدر، الذي سلبه أمه، ربما قرر أخيراً أن يربت على كتفه.
رزقه الله ولداً وبنتاً، وما إن توثقت صلته بأخوال ولديه حتى اكتشف فيهم ثراءً من نوع آخر؛ رجالا تتدفق على ألسنتهم العتابة والزهيري كما يتدفق الماء من العين، يحفظون الموروث الشعبي، ويجيدون نسج الحكمة بالشعر. عندها راوده حلم صغير، لكنه كان بالنسبة إليه بحجم العمر كله؛ أن يرث ابنه صلابته، وأن يرث من أخواله فصاحة اللسان، فيكون امتداداً يجمع قوة الساعد وجمال الكلمة.
وكبر الغلام كما تمنّى أبوه؛ حاضر البديهة، عذب البيان، كأن الكلمات تعرف طريقها إلى لسانه قبل أن يفكر بها.
وذات يوم، عزمت الأم على زيارة أهلها، فاصطحبت ابنتها الصغيرة، بينما آثر الابن أن يبقى مع أبيه. ولم يكن أحد يدري أن الأقدار تُخفي خلف هدوئها أكثر فصولها قسوة.
فما إن وصلت المرأة إلى أهلها حتى اجتاح المنطقة وباءٌ قاتل، لم يمهلها طويلاً. رحلت هي، ولحقت بها طفلتها، قبل أن تتمكن من وداع زوجها أو احتضان ولدها مرةً أخيرة.
وفي اليوم نفسه، خرج الغلام إلى نهر دجلة مع أقرانه للسباحة. لم يعد، ابتلعه النهر بصمت، كما يبتلع الزمن أحلام البشر دون أن يترك تفسيراً.
ولم تكن وسائل الاتصال يومئذٍ قد عرفت طريقها إلى الناس، فظل الأب يجهل أن السماء كانت تُفرغ عليه مصائبها دفعةً واحدة. وحين بلغه الخبر، أدرك أنه فقد زوجته، وابنته، وابنه... في يومٍ واحد.
وقف طويلاً لا يبكي. كانت الفاجعة أكبر من الدموع. شعر أن القدر لم يسرق أفراد أسرته فحسب، بل سرق المستقبل الذي كان يراه في عيني ولده، والموروث الذي كان يأمل أن يمتد عبر صوته، وكل الأحلام التي تعب في بنائها فوق ركام اليتم.
وفي مساءٍ أثقلته الخسارات، مضى إلى ضفة دجلة، وحده، حدق في الماء طويلاً، ثم قال بصوتٍ خافت:
- أما كان فيك متسعٌ لرحمة؟ أما خُلقتَ لتمنح الحياة كما تمنحها الأرض، أم أنك خُلقت لتختبر صبر الآباء؟
لم يجبه النهر.
ظل الماء يمضي، غير عابئ بمن عبره أو بمن غرق فيه، بينما اعتقد الرجل، بعد صمتٍ طويل، أن الأنهار لا تسرق الأبناء... بل تحملهم إلى الضفة التي لا تستطيع الأقدام بلوغها. لذا بدأ يكرر الوقوف على الضفة، لا ينتظر عودة أحد، بل ينتظر أن يتعلم الماء ولو مرة واحدة، كيف يعيد ما أخذه، فكلما امعن في ذلك النهر، أدرك أن للفقد ضفتين؛ ضفة يأخذ منها القدر، وأخرى يبقى الإنسان واقفاً حتى آخر العمر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس


المزيد.....




- غادة العاملي تتحدث عن تأطير الذائقة العامة في جلسة أقامها ات ...
- -أيقونة الأزرق والأبيض-.. سيدي بوسعيد التونسية تدخل التراث ا ...
- خلال 60 يومًا.. تركي آل الشيخ يعلن تحقيق فيلم -7DOGS- أعلى إ ...
- في خيام النزوح.. أطفال غزة يتعلمون الموسيقى
- من اليمن إلى كابل.. معلمون عرب يدرّسون اللغة العربية من جذور ...
- مثقفون بلا حدود ..خريطة جديدة بالإذاعة الثقافية المصرية  
- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...
- اليونيسكو تدرج شواطئ نورماندي وعدة مواقع أخرى أحدها في بلد ع ...
- -حارس التراث الشركسي- يحول منزله إلى ذاكرة شعب في الأردن


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ضفتان من الفقد