أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الوكر














المزيد.....

قصة قصيرة: الوكر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 06:26
المحور: الادب والفن
    


في أعماق وادٍ نائي، نبشوا حفرةً في أحشاء الأرض، كمن يبحث عن رحم بديل. سقفوها بخشبٍ صلب، وغطوها بصرائف القصب كي تمنع تسرب الأتربة إلى الداخل، ثم ألقوا عليها التراب حتى صارت ندبةً مموهة، جزءاً من جلد الصحراء لا يختلف عن جارتها من التلال. تركوا فتحةً ضيقة، تفضي إلى درجاتٍ ترابيةٍ واطئة، لكنها مغطاة أيضاً، كأنها ممرٌ سريٌ بين عالمين. من الخارج، كان الوكرُ محالاً، كالغائب في حضرة المرئي، حتى رعاةُ الغنم الذين يتخذون من الوادي مُستقراً لهم، مروا مراراً فوقه بقطعانهم، ولم تنتبه حوافرُ الخراف، ولا عصيُّ الرعاة، إلى ذلك الجحر الذي يخبئ في سوادِه جوعاً آخر.
في النهار، كان اللصوص ينامون نومَ الأموات، يسترجعون ساعات السهر التي أمضوها في الترقب والعدو، وطعامهم هو ذلك الشواء الذي تفوح منه رائحةُ الخوف والغبار، لحمُ غنمٍ لا يعرفون أصحابها، لكنهم يتشاركونه كقداسٍ سريٍّ للبقاء.
وفي ليلةٍ قمراء، عقدوا العزم على غارةٍ أبعد من المعتاد. سلكوا دروباً وعرة، ووصلوا القرية بعد منتصف الليل، حين تكون الأحلام في أوج ثقلها. لكن القرية كانت مستيقظةً بوعي غريزي، كأن الأرض نفسها نبّهت سكانها. الأغنام كانت محاطةً بحراسٍ متيقظين، ونباحُ الكلاب كان يرسم خريطةً للخطر في كل اتجاه. تجولوا حول القرية، كأشباحٍ تبحث عن شقٍّ في جدار الضوء، لكن كل المداخل كانت مسدودةً بأعينٍ ساهرة. عادوا خائبين، يتمتمون بقاعدتهم القديمة: لا غارةَ مع اليقظة.
لكن في لحظة الانسحاب، حملت لهم الريحُ صوتَ امرأةٍ تئنُّ بحرقةٍ نادرة، صوتاً يختلف عن كل أصوات الليل. كانت تنوح على ابنها الصغير الذي فارق الحياة قبل ساعات، وجسدُه المسجَّى أمامها كذكرى لا تُنسى. شعر اللصوص أن الفرصة سنحت، وسيكون الحزن غطاءً لهم، فتوجهوا نحو منزلها، يظنون أن انشغالَ الأم بفقدها سيجعلها تغفل عن حراسة ما تبقى.
لكن عندما اقتربوا، رأوا مشهداً غريباً: بقية الأولاد كانوا نائمين بعمق، كأن الموت لم يلمس بيتهم، وكأن أخاهم لم يكن يوماً بينهم. أما الأم، فكانت تجلس كحارسٍ وحيد، عيناها مفتوحتان على اتساع الليل، تراقب من باحة الحوش الواسعة جثَّة ابنها من جهة، وتصغي إلى نباحٍ بعيد من جهة أخرى. كانت تنوح وهي تحرك جسدها إلى الأمام والخلف، وتوزع انتباهها بين رحيلٍ مضى وسرقةٍ قادمة.
وعندما حانت لحظة الإغارة، انطلقت صرخةُ الأم كصاعقةٍ في صمت البيت:
- يا أولادي، إن كنتم لم تبكوا على أخيكم، فلا تدعوا الليل يسرق أغنامكم أيضاً.
كلماتها كانت كالسحر، فنهض الأولاد كالأشباح، لم يكونوا نياماً حقاً، بل كانوا يغطّون في نومٍ بين اليقظة والخدر. لذا أخذوا بالانتشار حول المكان بأسلحتهم، كأنهم يطاردون فقداناً أكبر من خروفٍ أو شاة.
انسحب اللصوص على أطراف أصابعهم، عائدين إلى وكرهم الذي يبدو الآن أكثر ظلمةً من المعتاد. لكنهم في طريقهم، وجدوا سؤالاً يطاردهم: مَن كان يسرق مَن في تلك الليلة؟ هل كانوا هم اللصوص، أم أن الأمَ سرقت منهم يقينَهم بقوتهم، وأولادَها سرقوا منهم فرصةَ الصمت؟
وفي الوكر، بينما كانوا يلفّون أنفسهم ببطاطين الخيبة، أدركوا أن الغارة القادمة لن تكون على قريةٍ بعيدة، بل على ما تبقى من إحساسهم بأنهم الأقوى. فالذي يُسرق، أحياناً، لا يفقده أحد، والذي يبقى، قد يموت مراراً دون أن يغادر مكانه.
في صباح اليوم التالي، وجد الرعاة أثرَ خطواتٍ غريبة حول الوادي، لكنهم لم ينتبهوا إلى الوكر، واكتفوا بجمع خرافهم التي كانت ترعى فوقه، وكأن الأرض تبتلع السرقة وتعطي في المقابل موتاً صامتاً. أما اللصوص، فلم يعودوا يخططون لغارة جديدة، بل أخذوا يستمعون في الليل وهم يجوبون الأماكن إلى أصوات نساءٍ أخريات، لعلهن ينحن على أبناءٍ لم يموتوا بعد، لكنهم سُرقت منهم الحياة دون أن يشعروا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد


المزيد.....




- -كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع ...
- مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة ...
- كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو- ...
- قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي ...
- توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th ...
- رايان غوسلينغ ينضم لعالم مارفل السينمائي بشخصية -غوست رايدر- ...
- عالم السينما.. ظهور مفاجئ لرايان رينولدز يشعل تكهنات عن مشار ...
- الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي ...
- -ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي ...
- -أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الوكر