أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحقل الأصفر














المزيد.....

قصة قصيرة: الحقل الأصفر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 00:09
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يفكر بالخوف، لكنه كان يعرف أن الشجرة الوحيدة لا تستطيع أن توقف الريح حين تأتي محمّلة بغابة كاملة. كان يؤمن أن الشجاعة لا تُقاس بعدد الجروح، وإنما بالقدرة على الوقوف حين ينحني الآخرون، لذلك ظل رأسه مرفوعاً، حتى عندما أدرك أن الوجوه التي كانت تبتسم له أمس، صارت اليوم ترتدي أقنعةً لا يرى خلفها سوى العيون.
بدأ الأمر بكلمة، ثم تحولت الكلمة إلى نظرات، والنظرات إلى دائرة أخذت تضيق شيئاً فشيئاً. كانوا كثيرين، حتى بدا أن أصواتهم تصنع جداراً لا يُرى، وأن خطواتهم تسبق ظلالهم. لم يكن يخشى أحداً منهم منفرداً، لكنه كان يدرك أن الكثرة حين تتنازل عن ضميرها، تصبح قوةً لا تحتاج إلى حق كي تنتصر.
عاد إلى بيته عند الغروب مكسور الخاطر، ومن رأسه دم يسيل. تمدد في فراشه بعد أن ضمّد جرحه. غير أن الليل رفض أن يستقر في عينيه، ظل يسمع في الخارج خشخشةً غامضة، كأن الريح تمر بين نباتات يابسة، أو كأن الأرض نفسها تهمس بشيء لا يريد أحد أن يسمعه. حاول أن يغمض عينيه، لكن النوم كان يبتعد كلما اقترب منه.
وقبل أن ينشق الفجر، تناول سيفاً ورثه عن أبيه. لم يكن سيفاً نفيساً، فقد أكل الصدأ أطرافه، غير أن قبضته كانت لا تزال تحتفظ بحرارة الأكف التي حملته يوماً دفاعاً عن شيء لم يعد أحد يذكر اسمه.
خرج من البيت، وسار في دروب ترابية حتى بلغ الحقل الأصفر الذي تمتلكه تلك الجماعة.
كان الحقل ممتداً إلى ما لا تبلغه العين. عرانيس متراصة، منتصبة، متشابهة إلى حدٍّ يبعث على الريبة، كأنها لم تنبت من بذور مختلفة، بل خرجت جميعها من قالبٍ واحد. لم يكن يسمع زقزقة العصافير، بل نعيق غربانٍ كانت تحط فوق الأعواد ثم تطير كلما اقترب منها، لتعود وتهبط بعد خطوات.
وقف طويلاً.
حدّق في أول عرنوس، ثم في الذي يليه، ثم رفع بصره نحو الأفق، حيث كانت الريح تحرّك الصفوف كلها بحركة واحدة، حتى خُيّل إليه أن الحقل لا يتمايل، بل يومئ برأسه موافقاً على أمرٍ لا يعرفه.
قبض على سيفه.
كانت الضربة الأولى مترددة، أما الثانية فكانت أكثر يقيناً، ثم توالت الضربات حتى صار صوت الحديد يمتزج باحتكاك الأوراق اليابسة. أخذ يشق طريقه بين الصفوف، يقطع العرانيس واحداً بعد آخر، بينما كانت العرانيس التي تنضج بعد تتناثر على التراب كأوراق كتابٍ مزقته يدٌ غاضبة.
ولم يكن يتوقف. كلما سقط عرنوس، أحس أن شيئاً ثقيلاً ينزاح عن صدره، وكلما امتدت أمامه صفوف جديدة، ازداد اقتناعاً بأن الحقول لا تتحول إلى غابات من اللون الواحد إلا عندما تتوقف البذور عن تذكّر اختلافها.
استمرت الشمس في الصعود، حتى غدت فوق رأسه. وعندما أسند السيف إلى كتفه، لم يبق في الحقل سوى سيقان طويلة، عارية، شاخصة نحو السماء، كأنها رماح فقدت أصحابها، أو أصابع جامدة تشير إلى جهة مجهولة.
ساد صمت كثيف، ثم هبت ريح خفيفة. راحت السيقان اليابسة تتمايل معاً، لكنها هذه المرة لم تكن تشبه الانحناءة الأولى. كان في اهتزازها شيءٌ يشبه الارتجاف... أو ربما كان بداية همسٍ جديد.
ابتسم ابتسامةً خافتة، وحمل سيفه ثم مضى دون أن يلتفت خلفه. وبعد أن اختفى بين ضباب الصباح، بدأت الغربان تدور فوق الحقل في دوائر واسعة، غير أنها لم تهبط.
أما السيقان، فقد بقيت واقفةً في أماكنها، تنتظر... ولا أحد يعرف ما الذي يمكن أن ينبت في أرضٍ تخلّت عن ثمارها، أو فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالبذور.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...


المزيد.....




- فرقة -BTS- تعلن عدم ترشيح أعمالها لجوائز غرامي العام المقبل ...
- فستان مارلين مونرو وسيارة جيمس بوند.. أغلى مقتنيات الأفلام ا ...
- ماذا تقول الثقافة اليهودية في سلوكه؟.. سيناتور أمريكي يثير ...
- تتارستان ترمم مسجدا وكنيسة خشبيين من أقدم معالمها المعمارية ...
- من الأدب إلى السياسة.. هذه الكتب رافقت أوباما في صيفه هذا ال ...
- فيلم نولان يرفع مبيعات -الأوديسة- لهوميروس في روسيا بنسبة 19 ...
- تريتياكوف يستعيد علاقته التاريخية ببولينوف.. لوحات الجليل وا ...
- -سوريون أم لبنانيون؟-.. الخارجية اللبنانية تتدخل لتصحيح -خطأ ...
- بعد حل العقبات القانونية.. الفيلم الروسي -المعلم ومارغريتا- ...
- نساء يحملن أباريق الشاي..فنانة تحوّل تفاصيل البيوت بالمغرب ل ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحقل الأصفر