أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رائحة الخوف















المزيد.....

قصة قصيرة: رائحة الخوف


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:19
المحور: الادب والفن
    


لم يكن ذلك الصباح يشبه سواه. كانت الشمس تتسلل بخجل بين أشجار اليوكالبتس، فتنساب خيوطها الذهبية على جدران البيت الطيني، كأنها تخشى أن توقظ سكونه. في الفناء الصغير تناثرت آثار ليلة صيفية طويلة، فيما كانت رائحة التراب المبتل بالماء تمتزج برائحة الحطب والخبز الساخن، لتصنع مشهداً مألوفاً من تفاصيل الحياة التي اعتادت أن تبدأ مبكرة، قبل أن يشتد القيظ.
خرج الأب إلى السوق، يحمل كيساً قماشياً بيده، وخلفه خطوات ثقيلة اعتاد أهل الدار سماعها قبل أن تختفي عند نهاية الحوش. لم يكن كثير الكلام، لكن حضوره كان يملأ المكان هيبة، حتى إن وصاياه الصارمة كانت تبقى معلقة في الهواء بعد رحيله، كأن الجدران تحفظها أكثر مما تحفظ أصوات الأطفال.
راقبته الطفلة من نافذة الغرفة حتى غاب عن الأنظار، ثم عادت إلى الداخل حيث كانت الأم ترتب أواني المطبخ استعداداً لإعداد الغداء.
قالت بهدوء يخفي استعجالاً:
- املئي قنينة النفط يا ابنتي... فالطباخ لن يشتعل من دونها.
كانت القنينة الزجاجية جزءاً من تفاصيل البيت اليومية، لكنها لم تكن شيئاً يسهل تعويضه. اقتنتها الأسرة منذ سنوات، وكانت مخصصة للطباخ النفطي ذي المشاعل الثلاثة، الذي ظل رفيق الموائد في أيام الشتاء والصيف. نظرتها الطفلة بعينين يختلط فيهما الحرص بالخوف، ثم حملتها بكلتا يديها، ومضت بخطوات محسوبة نحو التنكة المعدنية الكبيرة التي تحتفظ بالنفط الأبيض.
انحنت بحذر، وسكبت النفط ببطء حتى امتلأت القنينة. انعكس ضوء الصباح على الزجاج النظيف، فبدت كأنها قطعة من البلور. مسحت عنقها بطرف ثوبها، ثم ضمتها إلى صدرها وعادت.
كان سطحها الخارجي أملس، بارداً، يخون من يمسكه. وما إن همّت بوضعها في مكانها المعتاد، حتى انزلقت من بين أصابعها.
لحظة واحدة... لكنها بدت دهراً كاملاً، ارتطم الزجاج بالأرض، وانفجر بصوت حاد مزق سكون البيت، فتطايرت الشظايا في كل اتجاه، بينما اندفع النفط الأبيض فوق أرضية الغرفة، وتسلل بين شقوق الطين، كأن الأرض كانت عطشى إليه منذ زمن.
وخلال ثوانٍ معدودة، امتلأ المكان برائحة النفط، ورائحة خوف كانت أشد نفاذاً. ساد صمت ثقيل. تجمدت الطفلة في مكانها، وأخذت تحدق في الشظايا، وكأنها تنتظر أن تعود القنينة كما كانت قبل لحظات.
اقتربت الأم مسرعة، لكنها لم تصرخ، ولم توبخ ابنتها. جلست على ركبتيها، وبدأت تجمع قطع الزجاج بصمت، بينما كانت نظراتها تقول ما عجز اللسان عن قوله. لم يكن الحزن على القنينة وحدها، بل على ما سيأتي بعدها.
أخذت الطفلة تتمتم بصوت مرتجف:
- والله... لم أقصد...
وضعت الأم يدها على كتفها في محاولة لتهدئتها، لكنها كانت تخفي ارتجافة أصابعها هي الأخرى.
كان الجميع يعرف أن الأب لا يغضب من الأشياء لأنها أشياء، بل لأن ضيق الحياة جعل لكل شيء قيمة لا يمكن التفريط بها. لم تكن القنينة مجرد زجاجة، بل جزءاً من معيشة يومية شحيحة، يقتطع ثمنها من قوت الأسرة.
ورغم ذلك، ظل الخوف أكبر من الخسارة نفسها. لذا بدأت الأم تمسح النفط بقطع قماش قديمة، وتجمع التراب المبتل بالرائحة، كأنها تريد أن تمحو آثار الحادثة قبل عودة الأب. غير أن الرائحة كانت تزداد انتشاراً، تلتصق بالجدران والثياب والأنفاس، وكأنها تعلن أن ما حدث لن يختفي بسهولة.
مر الوقت بطيئاً، بطئاً لم تعرفه الطفلة من قبل. كانت عقارب الساعة تتحرك، لكنها لا تكاد تُرى، فيما أخذت الشمس ترتفع في السماء، ويتحول ظل الجدار من جهة إلى أخرى، وكل شيء في البيت يوحي بأن النهار يمضي، إلا الخوف الذي بقي ثابتاً في مكانه.
لم يسأل أحد السؤال الذي كان يدور في أذهان الجميع:
كيف سيكون رد الأب؟
فقد كانت الإجابة مجهولة، والمجهول أكثر رهبة من اليقين.
بعد صمت طويل، قالت الأم بصوت خافت:
- سنخبره بالحقيقة... فما من كذبة تستطيع أن تخفي رائحة النفط.
هزت الطفلة رأسها، لكنها لم تكن تخشى القنينة المكسورة، بل كانت تخشى الذكريات. تذكرت الحزام الجلدي المعلق دائماً إلى جوار فراشه، تذكرت صوته حين يغضب، وتذكرت كيف كانت نظرة واحدة من عينيه تكفي لأن تعيد السكون إلى البيت كله. لم يكن يضرب كثيراً، لكن الخوف من احتماله كان كافياً ليصنع في النفوس عقاباً دائماً.
كان يتهيأ لها أن تسمع وقع خطوات المارة في الحوش، فتظن أنه عاد، وتسمع صرير باب أحد الجيران، فتنتفض، وتسمع نباح كلب بعيد، فيخفق قلبها بقوة.
كان الانتظار يتحول شيئاً فشيئاً إلى عذاب مستقل، حتى بدا العقاب نفسه أقل قسوة من ترقب وقوعه. وبين الحين والآخر، كانت الأم تخرج إلى باب الدار، تنظر إلى الطريق، ثم تعود من دون أن تنطق بكلمة، كأنها تؤجل اللحظة المستحيلة.
وأخيراً... ظهر الأب في آخر الدرب الترابي، يمشي بخطواته المعهودة، يحمل كيس المؤونة بيد، وبالأخرى يمسح عرقه بطرف غترته. شعرت الطفلة بأن الأرض تضيق تحت قدميها، تمنت لو استطاعت أن تعيد الزمن دقائق إلى الوراء، أن تمسك القنينة قبل أن تفلت، أن تمنع ذلك الصوت الذي ما يزال يتردد في أذنيها.
اقترب الأب أكثر... وأكثر، حتى بلغ عتبة الدار. ساد صمت لم تعرفه الأسرة من قبل، توقفت الأنفاس. كانت الطفلة ترى في صوته كأنه فاصلٌ بين عالمين؛ عالم كانت القنينة فيه سليمة، وعالم آخر انكسرت فيه أشياء لا تُرى.
في تلك اللحظة، لم يعد أحد ينظر إلى الشظايا الصغيرة التي غاص بعضها في التراب، بل إلى تلك الشظايا التي استقرت، منذ زمن بعيد، في أعماق الأرواح، شظايا لا تجمعها الأيدي، ولا تذيبها الأيام.
مرت سنوات طويلة. اختفت الطباخات النفطية، وغابت قناني الزجاج، وتبدلت البيوت، وتغيرت الدروب الترابية إلى طرق معبدة، حتى إن رائحة النفط نفسها لم تعد تملأ صباحات المدن كما كانت.
لكن كلما صادفت تلك الطفلة، وقد أصبحت امرأة، رائحة نفط عابرة في ورشة أو سوق أو محطة وقود، كانت تعود إليها تلك الغرفة الطينية، وذلك الصباح البعيد، وذلك الانتظار الذي بدا أطول من العمر. وحينها كانت تدرك أن القنينة لم تكن أكثر الأشياء هشاشة، بل كانت الطفولة نفسها. وأن أكثر ما ينكسر في البيوت ليس الزجاج بل الأمان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك


المزيد.....




- -سينرجي- تقرر عدم الإفصاح عن إيرادات فيلم -خلي بالك من نفسك- ...
- -من يرمي الحجر الأول-.. مسرحية سورية تستنطق العدالة في قفص - ...
- نمر سعدي: جماليات الدهشة وفتنة المجاز
- -اشتباكات غابة الأرز- لإسماعيل غزالي.. الرواية الإيكولوجية و ...
-  محافظ القليوبية يهنئ هاتفيًا أوائل الجمهورية بالشعبة الأدبي ...
- هل بدأت هوليوود تستسلم؟ أفلام الذكاء الاصطناعي تدخل سباق الم ...
- صانعة محتوى تفجر مفاجأة: -الشامي حبيبي-.. ولا تعليق من الفنا ...
- -هآرتس- تستعرض تضارب الروايات حول سبب رفض نتنياهو لقاء زيلين ...
- وزيرة الثقافة الروسية: أكثر من 60 دولة تشارك في -ليلة السينم ...
- متحف الدفاع عن سيفاستوبول يتلقى نحو 200 قطعة أثرية جديدة


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رائحة الخوف